يومان في ضيافة الحلف الأطلسي ببروكسيل -2-

مارس 23rd, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

 

جمال الموساوي

الثقافة تستطيع أن تبدد الكثير من غيوم السياسة، بل أن تتجاوزها، فالثقافة أكثر مرونة وأكثر قابلية وقدرة لاستيعاب الاختلاف وفهمه وتدبيره بما يخدم المختلفين ويغنيهم.

على كل حال، فكرت في الاستسلام للنوم في انتظار الصباح، صباح الثلاثاء، اليوم الثاني من أشغال لقاء مسؤولي الحلف الأطلسي بالصحفيين العرب. كنت على استعداد لتعويض ما فاتني يوم الاثنين من خلال الحرص على متابعة ما يصدر عن هؤلاء ومحاولة إدراك ما يرمون إليه، لأنني وكما سبق القول، كنت على يقين أننا هنا فقط لتلقي رسالة محددة وإبلاغها إلى الرأي العام في بلداننا، تماما كما كنت على يقين أن كل سؤال أو مداخلة تصدر عنا ستكون محط تمحيص من قبل هؤلاء وذلك من أجل معرفة اتجاهات الرأي العام في هذه البلدان تجاه ما يقوم به الحلف أو ما ينوي القيام به في المستقبل. هناك قضايا شائكة بكل تأكيد، قضايا قائمة، ولكن هناك أيضا مشاريع أو نوايا يسعى الحلف لتحقيقها عبر تعاون غير متكافئ مع دول الحوار المتوسطي ومبادرة استانبول.

لم يكن النوم ليزورني سريعا، ربما بسبب تبدل المكان كما نقول عادة، لذلك شغلت التلفاز واستسلمت لما تبثه القناة الفرنسية الأولى من برامج، وأحيانا أعرج على قناة بلجيكية حيث أتيح لي الوقوف على جزء من الأزمة التي يعيشها هذا البلد في ظل تعثر الفرقاء السياسيين في الوصول إلى تشكيل حكومة فيدرالية بسبب التنافس الموجود بين الجزء الفلاماني والجزء الفرنسي المشكلين للشعب البلجيكي. وقد أدى هذا التعثر إلى تنظيم مظاهرة ضخمة جابت شوارع العاصمة بروكسيل للدعوة إلى إيجاد حل للأزمة وإلى التمسك بوحدة الشعب.

كان موعد انطلاق الحافلة من الفندق إلى مقر الحلف الأطلسي محددا في الثامنة و20 دقيقة. عندما استيقظت في السادسة صباحا كانت القناة الفرنسية تبث برامجها، فقد اعتدت منذ بدأت النوم في الفنادق أن أترك جهاز التلفاز في حالة تشغيل إلى أن أغط في النوم، لا أدري إلى أي حد يمكن اعتبار هذا الأمر سليما، لكنني أجد فيه وسيلة جيدة لمحاربة الأرق وإشغال الذهن حتى يتعب. جربت القراءة غير ما مرة، إلا أنه بمجرد إقفال الكتاب وإطفاء النور يعود الذهن إلى نشاطه، ويختفي النوم في ظلام الليل بشكل لا يمكن العثور عليه. إنه يستحلي لعبة الغميضة في غير وقتها ودون استئذان، وأحيانا يختفي إلى غير رجعة في انتظار الليلة القادمة. وتلك معاناة ما بعدها معاناة.

في تمام السابعة كنت في المطعم لتناول الفطور. عندما لاحظت تعدد أنواع الفطور واختلاف الأسعار أيضا، سألت إحدى النادلات حول ما إذا كان بإمكاني تناول وجبتي في تلك القاعة أم في قاعة أخرى. قالت إنها لا تتكلم الفرنسية، وأحالتني على صاحب ملامح مغربية، فأعدت عليه نفس السؤال وأنا أتأمل ملامحه. بحث عن رقم الغرفة في لائحة لديه، وقال يمكنك تناول ما تشاء وهنا. فتيممت مائدة وبدأت في جلب مكونات فطوري. وقف النادل بقربي وقال من أي الإخوة العرب أنت؟ قلت من المغرب. قال: وأنا أيضا. قلت: فمن أي مكان في المغرب أنت؟ قال: من الحسيمة. فقلت: وأنا أيضا. فقال: أنا من" تماسينت" إذا كنت تسمع بها. فتبسمت، وقلت: وأنا من "إعكين" على بعد 4 كيلومترات فقط من "تماسينت". فقلبنا الأمر كله إلى ابتسامات عريضة، وإلى اللغة التي نتقنها بنفس اللكنة.إلى الريفية التي ولدت معنا على ألسنتنا، ولن تنتهي مع موتنا.

بعد تبادل بعض الحديث والأسئلة، بدا لي صاحبي الجديد، واسمه حسن، أقل تشاؤما من سائق التاكسي. يحمد الله على ما هو فيه وعليه، وأن الأمور ليست على ما يرام تماما، ولكنها طيبة إلى حد بعيد. بدا لي أكثر صراحة وانفتاحا بالرغم من الخشونة البادية على ملامحه، والتي عادة ما يتميز بها الريفي الحقيقي. أطلعته على سبب وجودي في بروكسيل، فتمنى لي التوفيق والمقام الطيب، ونظرا لما يقتضيه عمله من حركة، قال لي إذا احتجت أي شيء فأنا هنا. شكرته بذات البراءة واللطف اللذين عاملني بهما، وطلبت منه أن يهتم بعمله، وشرعت في تناول فطوري استعدادا للخروج إلى بهو الفندق في انتظار الحافلة التي ستقلنا إلى مقر الناتو.

دخل إلى المطعم أربعة شبان، عرفت من لهجتهم أنهم مصريون. ترددت لبعض اللحظات عندما وقف إلى جانبي أحد هؤلاء وأنا أجمع مكونات وجبتي، لكنني بادرته بالسؤال عما إذا كان هنا من أجل مهمة صحفية في الحلف الأطلسي، فأجابني بشكل فيه الكثير من الجفاف، لم أملك معه إلا أن أعتذر عن إزعاجي له. وهو الاعتذار الذي لم أعرف ما إذا كان قد قبله أم لا، لأنه لم يردّ. أما جوابه عن سؤالي الأول فكان باختصار شديد "لا".

ثم دخل رجل أسمر، تبادلنا نظرات سريعة، وجلس ليتناول فطوره. في بهو الفندق التقيت هذا الرجل من جديد، فقلت له في ارتباك، باللغة الفرنسية، هل أنت هنا من أجل مهمة في الناتو. فابتسم وقال لي: وهل أنت هو المغربي الثاني. فضحكنا طويلا. كان المحجوب روان من جريدة "لوماتان". حكيت له قصتي مع الخطوط الملكية الجوية، وتأسفت لكوني لم أختر الرحلة الصباحية في ذلك الأحد. الرحلة التي لم يواجه فيها هو أي مشاكل. لكن المهم أنني أخيرا عثرت على رفقة. وفي معرض الحديث، في انتظار الحافلة، أخبرني أن الصحفيين العرب الآخرين الذين حضروا اللقاء لا تقل رتبة أغلبهم عن نائب رئيس تحرير في الصحيفة التي يمثلها، وأن أغلبهم متقدم في السن بنسبة ما. تأملت في خاطري ذلك، وقلت في نفسي ربما نحن في المغرب أفضل حالا، لأن الشباب يستفيدون من هذه المهام في مشاهدة بلدان أخرى وفي وضع معارفهم على المحك، وربما أيضا لأن رؤساء التحرير عندنا لهم من المشاغل الأخرى ما يغنيهم عن مثل هذه اللقاءات، أو على الأقل لديهم من هذه المشاغل ما لا يسمح لهم بحضورها.

عندما بدأ الصحفيون يصلون إلى بهو الفندق، تأكدت إلى أي حد ما قاله المحجوب وما فكرت فيه كان صحيحا. شكل الصحفيون في الحافلة مجموعات منسجمة، وذلك حسب البلدان التي قدموا منها، لكن لوحظ مع ذلك أن الصحفيين القادمين من الخليج كانوا أكثر قربا من بعضهم، كما كنت أنا والمحجوب مع الموريتانيين، وهكذا. ومن بين الصحفيين  الذين أتيح لي التعرف إليهم الشاعر الجزائري عز الدين ميهوبي المدير العام للإذاعة الجزائرية، والذي كان رئيسا لاتحاد الكتاب الجزائريين قبل أن تقع بعض الأمور داخل الاتحاد أبعدته عن هذا المركز. قال لي بعد أن قدمت له نفسي، بصفتي شاعرا وعضوا في المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، ها أنت ترى بقينا نتتبع الشعر حتى أوصلنا إلى الحلف الأطلسي. ابتسمت وقلت له مع الأسف لم يكتب للقاء الكتاب المغاربة والجزائريين أن يتم، وهو اللقاء الذي كان اتحاد كتاب المغرب قد برمجه باتفاق مع اتحاد الكتاب الجزائريين قبل أن يتخلى ميهوبي عن رئاسته. وكانت فلسفة اللقاء كما تصورناه أن الثقافة تستطيع أن تبدد الكثير من غيوم السياسة، بل أن تتجاوزها، فالثقافة أكثر مرونة وأكثر قابلية وقدرة لاستيعاب الاختلاف وفهمه وتدبيره بما يخدم المختلفين ويغنيهم. لم يتجاوز حديثنا ما سلف.

كما تعرفت أيضا إلى نور الدين عاشور رئيس تحرير جريدة الصباح التونسية، وكان هو الذي بادرنا، أنا والمحجوب، بالحديث، وذلك بإبداء استغرابه من عدم إشارة برنامج بثته القناة المغربية خلال الليلة السابقة حول مدينة فاس، إلى أن فاطمة الفهرية هي التي أسست المدينة. فقلنا له إن فاس أسسها إدريس الثاني، وأن فضل فاطمة الفهرية كان عظيما ببنائها لجامع القرويين الذي ظل على مر العصور منارة للعلم يقصده الطلبة من كل فج عميق. لم يتجاوز حديثنا هذا الأمر ولم يتجدد بعد ذلك.

بالمقابل كان الصحفي الكويتي أنور الياسين، مدير مجلة المصارف ومستشار وزير الإعلام في دولة الكويت، أكثر حيوية، وأكثر لامبالاة ب"المجموعات المنسجمة". لا أدري كيف بلغ إلى علمي أنه اشتغل في مجلة "العربي".

كانت هذه المعلومة بداية طيبة لحديث قصير حول المجلة والدور الذي لعبته في المشهد الثقافي العربي، وأخبرته أنني نشرت في عدد شهر شتنبر من هذه السنة قصيدة بعنوان "زهرة اليائس" بعثت بها إليها منذ نحو سنتين. كان الانتظار طويلا، لكن نشرها أخيرا كان ذا وقع طيب في نفسي، خاصة أن مجموعتي الشعرية الثانية "مدين للصدفة" والتي تشكل هذه ال

المزيد


يومان في ضيافة الحلف الأطلسي ببروكسيل -1-

يناير 23rd, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

جمال الموساوي

لم تترك لي الخطوط الجوية المغربية فرصة للتمتع بزيارة مدينة بروكسل من 18 إلى 21 نونبر 2007 في ظروف عادية. بالرغم من حجز تذكرة الذهاب من الدار البيضاء على بروكسيل، وحضوري  قبل موعد التسجيل للرحلة  ، فإنني لم أتمكن من الركوب فإنني لم أتمكن من الولوج إلى الطائرة بسبب خطأ بليد.

يحق لكل شركات الطيران في العالم بيع نسبة 10 في المائة من حمولتها إضافة إلي حمولتها الأصلية وهذا يعني أنه في الغالب الأحيان ثمة من يقع في الشرك.

ما يمكن أن يستنتجه أي ساذج هنا، هو أننا قوم لا يعيرون للوقت أهمية تذكر ولعل هذا ما يفسر أكثر تأخرنا عن الركب. أكثر من ذلك، عندما تقدم مؤسسة ما على مثل هذه الممارسات في زمن فيه المنافسة لا ترحم، إن الأمر يستحق التأمل والتفكير، لأن له ارتباطا بالعديد من الأمور على المستوى الاقتصادي، إضافة إلى أنه يكرس صورة سلبية لدى الأجانب ما دام أنني لست الوحيد الذي تعرض لما تعرضت له، بل إن مواطنين أوروبيين لم يدخروا أي لفظ قبيح، وتفوهوا بالعديد من الكلمات غير اللائقة في حق الشركة المغربية وفي خدماتها ثم في المغرب بشكل عام.

طبعا لم تنفع في تهدئة الأمر تذكرة التعويض التي تخول لنا الاستفادة من خصم 1500 درهم على الرحلة المقبلة التي يمكن أن نقوم بها مستقبلا على متن الخطوط الملكية الجوية، لأن الناس كانت لهم مواعيد عمل صباح يوم الاثنين وكان كل ما يريدونه هو الوصول إلى بروكسيل في الوقت المحدد وليذهب أي تعويض مهما كان مبلغه وشكله الى الجحيم، ثم كأن المسؤولين عن الشركة في مطار محمد الخامس يضحكون على المسافرين عندما يقولون لهم إننا سنؤويكم في فندق جيد حتى الصباح، وكأن ما ينقصنا هو التمتع بنوم في فندق وليس الذهاب إلى المشاغل التي من أجلها ساقتنا الأقدار إلى المطار. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الفندق الذي كنت من نصيبه لا يليق بالفئة المصنف فيها، مهما كانت معايير التصنيف.

على أي حصلت على شهادة عدم الإركاب، لأنني كنت عند شباك التسجيل قبل 10دقائق من الوقت المحدد للشروع في تسجيل ركاب الرحلة 844 للخطوط الملكية الجوية، وهذا الوقت هو ساعتان قبل الإقلاع. حصلت أيضا على بطاقة الإركاب التي كان يفترض أن تقودني إلى جنيف ثم إلى بروكسيل بتأخير ساعتين، لكن المشكل الذي واجهني في البداية واجهني أيضا في الاقتراح البديل الأول، وعندما كاد موظف الشباك أن يمزق البطاقة صرخت إنها بطاقتي وهي شاهد آخر مع شهادة عدم الإركاب على أن لا يد لي في عدم وصولي في الوقت الذي التزمت به مع مصلحة الاتصال لدى الحلف الأطلسي، وبعد تردد تدخل موظف ثان وسلم لي البطاقة مؤكدا أن هذا لا يجوز في الواقع، لأن الحصول على بطاقة الإركاب يفترض أن يدفع بك إلى متن الطائرة.

لم تجد احتجاجات ولا صراخي، ولا أي رد فعل آخر صدر عني في تلك اللحظات في تغيير الواقع المر الذي وضعتني فيه الخطوط الملكية الجوية، وحرمتني في النهاية من الاستفادة من أمسية الوصول إلى بروكسيل وإمكانية استكشافها والتجول فيها للوقوف على بعض الأشياء المتعلقة بالمغاربة المقيمين هناك خاصة أنهم كثر إلى حد بعيد، كما حرمتني ثانية من يوم كامل من أشغال اللقاء الذي من أجله تجشمت كل هذا العناء، أي اللقاء الذي ينظمه الحلف الأطلسي مع الصحفيين العرب المنتمين إلى دول شمال افريقيا والشرق الأوسط، وبشكل خاص تلك الدول المنخرطة في الحوار المتوسطي وفي مبادرة استانبول.

في صباح الاثنين 19 نونبر 2007 كان على الطائرة أن تنطلق في الساعة الثامنة صباحا. استيقظت في الرابعة فجرا، مع أنني أشك في كوني نمت حقا، فحالتي النفسية لم تكن على ما يرام. كانت في الحضيض تماما. رن جرس الهاتف في الغرفة عند الرابعة والنصف، حيث كان من المفروض أن أتناول فطوري قبل إن يأتي السائق الذي كلفته الشركة بنقل التعساء الذين لم يجدوا مكانا في رحلة أمس، وكذلك أولئك القادمين من مناطق أخرى ويوجدون في "حالة عبور" للالتحاق ببلدان أخرى. لم أشعر برغبة في تناول أي شيء في ذلك الوقت المبكر، خاصة أنني تعودت منذ سنوات على تناول الفطور في السابعة صباحا، إضافة إلى بداية الاكتئاب التي بدأت تتسرب إلي. بيد أن المفاجأة التي صعقتني بها شركة الخطوط الملكية الجوية مساء الأحد جعلتني أغير رأيي سريعا فالتحقت بالمطعم. خفت أن تتأخر الطائرة أو أن تلغى الرحلة بشكل نهائي وعلي أن أكون مستعدا لمزيد من الاحتجاج، أو الصبر، ولهذا تناولت شيئا يشبه الفطور وعدت لانتظار السائق.

لم تنطلق الطائرة في الثامنة، كما هو مسطر في البرنامج. هل هو يوم نحس آخر؟ طرحت السؤال علي، واستسلمت لفكرة أنه يمكن انتظار أي شيء من هؤلاء عدا الانضباط للوقت. الوقت الذي أدخله الاقتصاديون المحدثون ضمن عوامل الإنتاج الحاسمة. لم يشتد هدير الطائرة إلا بعد 45 دقيق

المزيد


خبط عشواء

يونيو 29th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات, يوميات

ماذا يمكن أن يفعل إنسان فتح عينيه على جبل عظيم يستحيل عليه النيل منه؟

جمال الموساوي

تتداعى إلى الذهن الكثير من الكلمات عن الموت. كلمات تبقى بالرغم من كل حمولتها ناقصة. تذكرت كلمة قالها الشاعر الإنجليزي جون كيتس في لحظة من لحظاته الجميلة المشرعة للشعر، فتجلى عالم الموت الخفي رائقا
قال  « أشعر الآن أكثر من أي وقت مضى أنه  من الخصوبة أن أموت»
فكرت إذ استعدت هذه الكلمات أنه « ليس من المفاجئ في شيء أن يداهم الموت الإنسان» وأن يحاصره هكذا بغتة، مع أنه ربما كان ينتظر اللقاء بسنة بعيدة في النفق، ذلك أن الموت خارج الحصر في الزمان أو في المكان بل إن «المنايا خبط عشواء» لا غير ، كما عبر عن ذلك الشاعر العربي القديم
والولادة هي بداية المضي باتجاه الموت. لو لم تكن ثمة ولادة ما كان ليكون ثمة موت. هذه جدلية بسيطة لكنها تستدعي الحياة، ولذلك، وبسبب رهافة الدواخل يكثر الشعراء، خاصة، من الحديث عن الموت في أعمالهم، أو لعله يشكل عصب إنتاجهم. فالكتابة نوع من الموت أيضا، موت رمزي رائع بالضرورة. موت لذيذ لأنه لحظي ومؤقت، والشعراء في الغالب لا يستطيعون التحليق خارج الفضاءات الجنائزية السوداء بحثا عن أفق أبيض للحياة. فالموت عامل خصوبة كما أراد كيتس، يمنح الحياة فرصة لتجديد كائناتها
الموت، إذن، ليس واحدا، بل هو متعدد بقدر ما هو مختلف، ولهذا فقد كان الشاعر القديم الآخر على قدر غير قليل من الخطأ
 إذا تركنا جانبا الموت كلغز بيولوجي مادي بما هو استيفاء لأجل، واختفاء ن

المزيد


12/8/1997

يونيو 10th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

أكره الضحالة

جمال الموساوي

لم يكن التعب أقل من تعب أمس. كتبت عن الانتحار، وإن بشكل خفي، وأشعر أن الحياة كلها، تسير رغم أنوفنا، نحو هذا الانتحار. قد تكون جميلة فعلا، ولكن لماذا تقودنا بكل هذه السرعة نحو الهاوية؟ ثمة أشياء كثيرة ت

المزيد


11/8/1997

يونيو 7th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

علاش كتخمم



جمال الموساوي

اليوم، تعب. كله تعب. ثمة ما يؤلمني. كأني أحمل أثقال العالم أو كأني أتكدس في نفسي. لا أدري لماذا يعتريني شعور كهذا. بيد أن سماء ما تفتح لأفقي كل الجهات. أي أآن أشياء كثيرة تتبعثر في جسدي: صهد غشت بكامله. عرق مفاجئ. ارتخاء كامل. ثقل في الجفنين، صداع في الرأس. هكذا أتوسد أو تتوسدني آلام كثيرة. كثيرة جدا
هل علي مرة أخرى أن أغادر باتجاه الأرق؟ حتما. أود أن أواري خلف الليل عتمة النهار. في الليل أستطيع إضاءة نفسي بشكل أفضل، كي أتأمل النهار من بعيد: بالرغم من أنني لم أتمعن جيدا في ذلك المجنون الذي صادفته على الرصيف مساء اليوم. لم يفارقني سؤاله الحكيم باللغتين. كان ينظر في عيني مباشرة، ويستنكر ما يبدو على وجه

المزيد


10/8/1997

يونيو 6th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

أبي… يوم الأحد

جمال الموساوي

أووه! يوم الأحد مرة أخرى. في يوم الأحد لا أحد. يشعرني يوم الأحد باليتم. أنا ولدت يوم الإثنين. الشوارع خالية تماما.. وحدي أشيع الخطوات صوب سماء سادسة* حيث ألملم ما تبقى من ليلة مضت. لم أتمكن من إغماض عيني قبل الخامسة صباحا، ومع ذلك، اقتاد  الحلمُ أبي إلي. كان عليه أن يأتي. تركت له شرفة مشرعة… في قلبي. له وحده. جاء يوم الأحد. الأحد الذي يشعرني باليتم. جاء سريعا قبل أن يعود من حيث أشرق. خاف أن يدركني النهار فأستبقيه. لدي ما أقوله له. لدي الكثير
في مساء الأحد، يستطيع الحذاء الوحيد، ذاته، أ

المزيد


9/8/1997

يونيو 3rd, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

تلك المرأة

جمال الموساوي

ها أنت… الشمس كعادتها أشرقت باكرا. لماذا تفكر الآن مثل قطار سريع؟

ربما عليك أن تواجه نفسك قليلا أمام هذه المرآة 

سترى أشياء كثيرة: وجهك ليس ذات الوجه الذي ألفتَ. التشوهات التي تملأ الصورة كأنها ضباب. ضباب لا غير

لولا أن تلك المرأة دائما هناك. تلك المرأة التي تعيد إليك حقيقتك المطلقة. أنت تعرف أن المسافة تنفتح على آفاق أخرى. آفاق مشرعة على الاحتمال. هل أنت أنت؟ ترى من أين تيدأ فكرتك عن

المزيد


8/8/1997

يونيو 2nd, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

الأحذية

جمال الموساوي

الطريق هي نفسها دائما. الحذاء ذاته أيضا. من غير اللائق، تماما، أن تطأ بالخطوة آثار الخطوة إياها بالأمس. كيف إذا لم تتجدد الطريق، لا تجدد حذاءك؟

لا يمكنك السباحة في النهر مرتين. لكن لو أن الماء لا يجري، لو أنك أنت من تتبعثر في الماء، ألا يمكنك أن تفعل؟

مادامت الطريق هي ذات الطريق، بالمسافة ذاتها التي لا تدنو ولا تبتعد، فإنني أحتاج إلى أحذية كثيرة. كثيرة ج

المزيد


كان يفترض أن أبعث بها إلى الصديق أحمد الكبيري 12/08/1995

فبراير 6th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات


أخي أحمد،
مثقلا بظلي، لم أعد أستطيع السير على الرصيف دون أن تطاردني التفاهات الكثيرة. لن أكون مغاليا أو مبالغا حين أقول لك وأنت عارف ببعض خباياي، أو بها كلها، إنني بدأت أكره نفسي. الحيوية التي عهدتها فيّ انصرفت إلى سمائها بعيدا عني. أصبحت أضحك بصعوبة بالغة… ولا أخفيك، مازلت في أوج تعبي. قلبي متعب من حنيني إلى الهواء الذي هناك، ورأسي متعب من بقايا الحرب التي خاضها  حتى اللحظات الأخيرة

المزيد


05/08/1995

فبراير 1st, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , يوميات

-1-

في الكتابة أصداء الفتنة الكبرى

2
الفتنة في البدء كانت فتنة لذاتها، لأنني وجدتني قادرا - بعض الشيء- على اللعب بالكلمات. سمحت لنفسي بوطء البياض، وبدأت. ما كان لي أن أحشد كل هذا السواد، لولا أن المسألة ليست أكثر من لعبة طفولية: فَرَحٌ بالضوء، وانشغال بالصباح. هذا كان الأساس… و

المزيد


التالي