جمال الموساوي
الثقافة تستطيع أن تبدد الكثير من غيوم السياسة، بل أن تتجاوزها، فالثقافة أكثر مرونة وأكثر قابلية وقدرة لاستيعاب الاختلاف وفهمه وتدبيره بما يخدم المختلفين ويغنيهم.
على كل حال، فكرت في الاستسلام للنوم في انتظار الصباح، صباح الثلاثاء، اليوم الثاني من أشغال لقاء مسؤولي الحلف الأطلسي بالصحفيين العرب. كنت على استعداد لتعويض ما فاتني يوم الاثنين من خلال الحرص على متابعة ما يصدر عن هؤلاء ومحاولة إدراك ما يرمون إليه، لأنني وكما سبق القول، كنت على يقين أننا هنا فقط لتلقي رسالة محددة وإبلاغها إلى الرأي العام في بلداننا، تماما كما كنت على يقين أن كل سؤال أو مداخلة تصدر عنا ستكون محط تمحيص من قبل هؤلاء وذلك من أجل معرفة اتجاهات الرأي العام في هذه البلدان تجاه ما يقوم به الحلف أو ما ينوي القيام به في المستقبل. هناك قضايا شائكة بكل تأكيد، قضايا قائمة، ولكن هناك أيضا مشاريع أو نوايا يسعى الحلف لتحقيقها عبر تعاون غير متكافئ مع دول الحوار المتوسطي ومبادرة استانبول.
لم يكن النوم ليزورني سريعا، ربما بسبب تبدل المكان كما نقول عادة، لذلك شغلت التلفاز واستسلمت لما تبثه القناة الفرنسية الأولى من برامج، وأحيانا أعرج على قناة بلجيكية حيث أتيح لي الوقوف على جزء من الأزمة التي يعيشها هذا البلد في ظل تعثر الفرقاء السياسيين في الوصول إلى تشكيل حكومة فيدرالية بسبب التنافس الموجود بين الجزء الفلاماني والجزء الفرنسي المشكلين للشعب البلجيكي. وقد أدى هذا التعثر إلى تنظيم مظاهرة ضخمة جابت شوارع العاصمة بروكسيل للدعوة إلى إيجاد حل للأزمة وإلى التمسك بوحدة الشعب.
كان موعد انطلاق الحافلة من الفندق إلى مقر الحلف الأطلسي محددا في الثامنة و20 دقيقة. عندما استيقظت في السادسة صباحا كانت القناة الفرنسية تبث برامجها، فقد اعتدت منذ بدأت النوم في الفنادق أن أترك جهاز التلفاز في حالة تشغيل إلى أن أغط في النوم، لا أدري إلى أي حد يمكن اعتبار هذا الأمر سليما، لكنني أجد فيه وسيلة جيدة لمحاربة الأرق وإشغال الذهن حتى يتعب. جربت القراءة غير ما مرة، إلا أنه بمجرد إقفال الكتاب وإطفاء النور يعود الذهن إلى نشاطه، ويختفي النوم في ظلام الليل بشكل لا يمكن العثور عليه. إنه يستحلي لعبة الغميضة في غير وقتها ودون استئذان، وأحيانا يختفي إلى غير رجعة في انتظار الليلة القادمة. وتلك معاناة ما بعدها معاناة.
في تمام السابعة كنت في المطعم لتناول الفطور. عندما لاحظت تعدد أنواع الفطور واختلاف الأسعار أيضا، سألت إحدى النادلات حول ما إذا كان بإمكاني تناول وجبتي في تلك القاعة أم في قاعة أخرى. قالت إنها لا تتكلم الفرنسية، وأحالتني على صاحب ملامح مغربية، فأعدت عليه نفس السؤال وأنا أتأمل ملامحه. بحث عن رقم الغرفة في لائحة لديه، وقال يمكنك تناول ما تشاء وهنا. فتيممت مائدة وبدأت في جلب مكونات فطوري. وقف النادل بقربي وقال من أي الإخوة العرب أنت؟ قلت من المغرب. قال: وأنا أيضا. قلت: فمن أي مكان في المغرب أنت؟ قال: من الحسيمة. فقلت: وأنا أيضا. فقال: أنا من" تماسينت" إذا كنت تسمع بها. فتبسمت، وقلت: وأنا من "إعكين" على بعد
بعد تبادل بعض الحديث والأسئلة، بدا لي صاحبي الجديد، واسمه حسن، أقل تشاؤما من سائق التاكسي. يحمد الله على ما هو فيه وعليه، وأن الأمور ليست على ما يرام تماما، ولكنها طيبة إلى حد بعيد. بدا لي أكثر صراحة وانفتاحا بالرغم من الخشونة البادية على ملامحه، والتي عادة ما يتميز بها الريفي الحقيقي. أطلعته على سبب وجودي في بروكسيل، فتمنى لي التوفيق والمقام الطيب، ونظرا لما يقتضيه عمله من حركة، قال لي إذا احتجت أي شيء فأنا هنا. شكرته بذات البراءة واللطف اللذين عاملني بهما، وطلبت منه أن يهتم بعمله، وشرعت في تناول فطوري استعدادا للخروج إلى بهو الفندق في انتظار الحافلة التي ستقلنا إلى مقر الناتو.
دخل إلى المطعم أربعة شبان، عرفت من لهجتهم أنهم مصريون. ترددت لبعض اللحظات عندما وقف إلى جانبي أحد هؤلاء وأنا أجمع مكونات وجبتي، لكنني بادرته بالسؤال عما إذا كان هنا من أجل مهمة صحفية في الحلف الأطلسي، فأجابني بشكل فيه الكثير من الجفاف، لم أملك معه إلا أن أعتذر عن إزعاجي له. وهو الاعتذار الذي لم أعرف ما إذا كان قد قبله أم لا، لأنه لم يردّ. أما جوابه عن سؤالي الأول فكان باختصار شديد "لا".
ثم دخل رجل أسمر، تبادلنا نظرات سريعة، وجلس ليتناول فطوره. في بهو الفندق التقيت هذا الرجل من جديد، فقلت له في ارتباك، باللغة الفرنسية، هل أنت هنا من أجل مهمة في الناتو. فابتسم وقال لي: وهل أنت هو المغربي الثاني. فضحكنا طويلا. كان المحجوب روان من جريدة "لوماتان". حكيت له قصتي مع الخطوط الملكية الجوية، وتأسفت لكوني لم أختر الرحلة الصباحية في ذلك الأحد. الرحلة التي لم يواجه فيها هو أي مشاكل. لكن المهم أنني أخيرا عثرت على رفقة. وفي معرض الحديث، في انتظار الحافلة، أخبرني أن الصحفيين العرب الآخرين الذين حضروا اللقاء لا تقل رتبة أغلبهم عن نائب رئيس تحرير في الصحيفة التي يمثلها، وأن أغلبهم متقدم في السن بنسبة ما. تأملت في خاطري ذلك، وقلت في نفسي ربما نحن في المغرب أفضل حالا، لأن الشباب يستفيدون من هذه المهام في مشاهدة بلدان أخرى وفي وضع معارفهم على المحك، وربما أيضا لأن رؤساء التحرير عندنا لهم من المشاغل الأخرى ما يغنيهم عن مثل هذه اللقاءات، أو على الأقل لديهم من هذه المشاغل ما لا يسمح لهم بحضورها.
عندما بدأ الصحفيون يصلون إلى بهو الفندق، تأكدت إلى أي حد ما قاله المحجوب وما فكرت فيه كان صحيحا. شكل الصحفيون في الحافلة مجموعات منسجمة، وذلك حسب البلدان التي قدموا منها، لكن لوحظ مع ذلك أن الصحفيين القادمين من الخليج كانوا أكثر قربا من بعضهم، كما كنت أنا والمحجوب مع الموريتانيين، وهكذا. ومن بين الصحفيين الذين أتيح لي التعرف إليهم الشاعر الجزائري عز الدين ميهوبي المدير العام للإذاعة الجزائرية، والذي كان رئيسا لاتحاد الكتاب الجزائريين قبل أن تقع بعض الأمور داخل الاتحاد أبعدته عن هذا المركز. قال لي بعد أن قدمت له نفسي، بصفتي شاعرا وعضوا في المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، ها أنت ترى بقينا نتتبع الشعر حتى أوصلنا إلى الحلف الأطلسي. ابتسمت وقلت له مع الأسف لم يكتب للقاء الكتاب المغاربة والجزائريين أن يتم، وهو اللقاء الذي كان اتحاد كتاب المغرب قد برمجه باتفاق مع اتحاد الكتاب الجزائريين قبل أن يتخلى ميهوبي عن رئاسته. وكانت فلسفة اللقاء كما تصورناه أن الثقافة تستطيع أن تبدد الكثير من غيوم السياسة، بل أن تتجاوزها، فالثقافة أكثر مرونة وأكثر قابلية وقدرة لاستيعاب الاختلاف وفهمه وتدبيره بما يخدم المختلفين ويغنيهم. لم يتجاوز حديثنا ما سلف.
كما تعرفت أيضا إلى نور الدين عاشور رئيس تحرير جريدة الصباح التونسية، وكان هو الذي بادرنا، أنا والمحجوب، بالحديث، وذلك بإبداء استغرابه من عدم إشارة برنامج بثته القناة المغربية خلال الليلة السابقة حول مدينة فاس، إلى أن فاطمة الفهرية هي التي أسست المدينة. فقلنا له إن فاس أسسها إدريس الثاني، وأن فضل فاطمة الفهرية كان عظيما ببنائها لجامع القرويين الذي ظل على مر العصور منارة للعلم يقصده الطلبة من كل فج عميق. لم يتجاوز حديثنا هذا الأمر ولم يتجدد بعد ذلك.
بالمقابل كان الصحفي الكويتي أنور الياسين، مدير مجلة المصارف ومستشار وزير الإعلام في دولة الكويت، أكثر حيوية، وأكثر لامبالاة ب"المجموعات المنسجمة". لا أدري كيف بلغ إلى علمي أنه اشتغل في مجلة "العربي".
كانت هذه المعلومة بداية طيبة لحديث قصير حول المجلة والدور الذي لعبته في المشهد الثقافي العربي، وأخبرته أنني نشرت في عدد شهر شتنبر من هذه السنة قصيدة بعنوان "زهرة اليائس" بعثت بها إليها منذ نحو سنتين. كان الانتظار طويلا، لكن نشرها أخيرا كان ذا وقع طيب في نفسي، خاصة أن مجموعتي الشعرية الثانية "مدين للصدفة" والتي تشكل هذه ال













