قليلون هم الذي وصلوا إلى تحقيق القيمة الأدبية بعمل واحد،
إن الكَمَّ هو الطريق للوصول إلى النوع
أجرى الحوار: محمد سعيد الريحاني
الروائي المغربي محمد عز الدين التازى من مواليد سنة 1948 بمدينة بفاس ، حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث، يعمل أستاذا للتعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان، عضو عدة جمعيات وهيئات ثقافية. ترجمت بعض مجاميعه القصصية القصيرة إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والسلوفانية، وترجمت روايته مغارات إلى الفرنسية. اختيرت روايته أيام الرماد من بين أفضل 105رواية عربية نشرت فى القرن الماضي. جمعنا اللقاء به فكان هدا الحوار.

محمد سعيد الريحاني: إذا طُلِبَ من الأديب محمد عز الدين التازي إكمال صورته الإبداعية المرسومة في دهن القراء، فكيف يقدم مسيرته وكيف يسترجع بداياته ويستحضر صداقاته الإبداعية؟
محمد عز الدين التازي: في مطلع الستينات من القرن الماضي، بدأت أحاول الكتابة وأنا تلميذ في الثانوي. حاولت أن أكتب الشعر تحت تأثري بمقروءاتي في الشعر العربي القديم والحديث، لكني أدركت أن طريق الكتابة الشعرية لن يوصلني، فقد أدركت بحس خاص أن الرداءة هي ميسم ما كنت أكتب. كانت الرغبة في الكتابة تراودني بقوة، بدوافع داخلية وأخرى خارجية. الدوافع الداخلية غير مفسرة، والدوافع الخارجية تعود إلى أنني كنت أحيا وحيدا، أستشعر فراغا كبيرا في حياتي، لا أملكه إلا بالقراءة، والقراءة في هذه المرحلة لم تكن موجهة من قبل أحد، لذلك كنت أقرأ كل ما يصل إلى يدي من كتب.
بدء من منتصف الستينات، تعرفت على مجلة الآداب ومجلة شعر البيروتيتين، وبدأت قراءاتي تتوجه نحو التراث الأدبي والفكري العربي، والأدب العربي الحديث، ومترجمات الأدب العالمي. أعجبت بقصص يحيا حقي ويوسف الشاروني ويوسف إدريس وقرأت كل أعمال نجيب محفوظ التي كان قد نشرها، وما كتب حولها من نقد، وخاصة كتابات صبري حافظ. كما قرأت الأدبيات الوجودية والماركسية والكثير من مترجمات الأدب العالمي. وفي هذه المرحلة، كتبت قصصا قصيرة وبدأت النشر سنة 1966 في الملحق الثقافي لجريدة الأنباء ثم في صفحة أصوات وفي الملحق الثقافي لجريد العلم. كنت ما أزال تلميذا في ثانوية القرويين بفاس، ومقروءاتي ولدت لدي صدمة كبيرة بالمقارنة مع ما كنا ندرسه. في نفس الثانوية وجد معي، وفي نفس المرحلة، القاص أحمد بوزفور، والشاعران عبد العلي الودغيري وأحمد مفدي، لكني سبقتهم إلى النشر، إن لم أكن قد سبقتهم إلى الكتابة. كما تعرفت على الشاعر محمد بنيس في نفس المرحلة، وقبل أن ننتقل إلى كلية الآداب بفاس، وتعرفت على الشاعر محمد السرغيني الذي مدني بالكثير من الرعاية الأدبية.
في كلية الآداب، التي التحقت بها سنة 1967، تعرفت على الكثير من الكتاب والشعراء الشباب: أحمد المديني، محمد بنطلحة، المهدي أخريف، إدريس الملياني، إدريس الناقوري، أحمد زيادي، وكثيرين، كانوا مهووسين مثلي بأسئلة الكتابة. تعرفت أيضا على أساتذة تشغلهم قضايا النقد والإبداع، وهم: محمد برادة، حسن المنيعي، محمد الخمار الكنوني، أحمد المجاطي، وأحمد اليابوري، وإبراهيم السولامي. وهؤلاء الأساتذة، أصبحوا بسماحتهم وتواضعهم أساتذة وأصدقاء، فتحوا لي بيوتهم، وحبوا كتاباتي بالكثير من التشجيع. في سنة 1968 نلت جائزة جمعية البعث الثقافي بمكناس، التي كان الأستاذ حسن المنيعي هو المشرف عليها، وفي سنة 1969 نلت جائزة القصة القصيرة، التي نظمها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فرع فاس، وكان في لجنتها الأساتذة: برادة واليابوري والمجاطي. علمتني هذه الوضعية: الاسترشاد بمقروءاتي، رفقة الأدباء الشباب، نيل جائزتين، الإصغاء إلى أسئلة الأدب والنقد التي كان يصوغها أساتذتنا من الغليان السياسي للمرحلة ومن الثقافة الطلائعية الجديدة التي كان يعرفها العالم.
لذلك أقول إنني قد أتيت إلى الكتابة من القراءة، وبعبارة أخرى، لقد تعلمت الكتابة من القراءة.
محمد سعيد الريحاني: من بين الكتاب من جيل الرواد، يبدو أن محمد عز الدين التازي من القلائل الذين نالوا نصيبهم من المواكبة النقدية والتكريم والاعتراف في حياتهم. إلى ماذا تعزون ذلك؟
محمد عز الدين التازي: ليس من حقي أن أفسر ما قام به الآخرون تجاه أعمالي من مواكبة نقدية، أو احتفاء بشخصي، فهم الأجدر بأن يجيبوا عن هذا السؤال. أما من جانبي، فأنا لم أحرض أحدا على أن يكتب عن عمل من أعمالي، ولم أسع إلى الجوائز، إيمانا مني بأن الجوائز هي التي تأتي إلى الكاتب وليس هو من يسعى إليها، ولم أدفع بجهة من الجهات التي كرمتني، وهي كثيرة، إلى أن تقوم بهذا التكريم. إنني بالمناسبة، أشكر تلك الجهات مبادرتها التي هي محل تقدير مني، لكني غارق في مشاريعي الأدبية، ولست ممن يكتبون ويروجون بالدعاية لأعمالهم.
محمد سعيد الريحاني: الراحل، الشاعر الكبير محمد الخمار الكنوني، صاحب الديوان الشعري الوحيد: رماد هسبريس الصادر سنة 1987، في أحد حواراته نصح الشعراء الشباب بأن يكونوا مقلين في إنتاجاتهم. بالنسبة لمحمد عز الدين التازي صاحب أزيد من خمسين عملا إبداعيا في شتى الألوان الأدبية، من القصة القصيرة مرورا بالرواية والمذكرات ووصولا إلى أدب الأطفال، بماذا تنصح الكتاب الشباب؟
محمد عز الدين التازي: كان المرحوم الشاعر الكبير محمد الخمار الكنوني قد وجه إلي نصيحة من نوع آخر، وهي أن أكتب باستمرار، وألا أنتظر نشر عمل حتى أكتب آخر. والمرحوم محمد الخمار كان قد حدثني عن رواية شرع في كتابتها، فهو نفسه، كسعدي يوسف، وغيرهما من الشعراء، وجدوا في الكتابة السردية ما يغري بارتيادها. وحقا، فلقد كان محمد الخمار، إلى جانب أحمد المجاطي، شاعرين مقلين، يُقَطِّرَان قصائدهما ويعتصران معانيها وصورها ولغتها من تكثيف شعري دال وموح ورامز. ذلك كان توجههما في الكتابة الشعرية. أما بالنسبة إلي، وإلى كتاب وشعراء مغاربة آخرين، فالكم ليس دليلا على القيمة الأدبية للكاتب أو الشاعر، ومع ذلك، قليلون هم الذي وصلوا إلى تحقيق القيمة الأدبية بعمل واحد، كما حدث مع رامبو على سبيل المثال. إن الكَمَّ هو الطريق في رأيي، للوصول إلى النوع، أي إلى التنويع في الأشكال والمضامين. إن روائيا كنجيب محفوظ، وقد نشر أزيد من أربعين رواية، ما كان بإمكانه أن يُوَسِّعَ من عوالمه ومن بنائه للأشكال، وكذلك الأمر بالنسبة لروائيين عرب، كإدوار الخراط ،إلياس خوري، نبيل سليمان، ومغاربيين كواسيني الأعرج، أحلام مستغانمي، صلاح الدين بوجاه، محمود طرشونة، ومغاربة كمبارك ربيع، أحمد المديني، والميلودي شغموم.
أنصح الكتاب الشباب بألا يستمعوا إلى نصيحة أحد، ففي مجال الكتا
















