القاص والروائي المغربي محمد عز الدين التازي يتحدث

سبتمبر 16th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

قليلون هم الذي وصلوا إلى تحقيق القيمة الأدبية بعمل واحد،

إن الكَمَّ هو الطريق للوصول إلى النوع 

أجرى الحوار:  محمد سعيد الريحاني

 الروائي المغربي محمد عز الدين التازى  من مواليد سنة 1948 بمدينة بفاس ، حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث، يعمل أستاذا للتعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان، عضو عدة جمعيات وهيئات ثقافية.  ترجمت بعض مجاميعه القصصية القصيرة إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والسلوفانية، وترجمت روايته مغارات إلى الفرنسية. اختيرت روايته أيام الرماد من بين أفضل 105رواية عربية نشرت فى القرن الماضي. جمعنا اللقاء به فكان  هدا الحوار.

431ima

محمد سعيد الريحاني: إذا طُلِبَ من الأديب محمد عز الدين التازي إكمال صورته الإبداعية المرسومة في دهن القراء، فكيف يقدم مسيرته وكيف يسترجع بداياته ويستحضر صداقاته الإبداعية؟

محمد عز الدين التازي: في مطلع الستينات من القرن الماضي، بدأت أحاول الكتابة وأنا تلميذ في الثانوي. حاولت أن أكتب الشعر تحت تأثري بمقروءاتي في الشعر العربي القديم والحديث، لكني أدركت أن طريق الكتابة الشعرية لن يوصلني، فقد أدركت بحس خاص أن الرداءة هي ميسم ما كنت أكتب. كانت الرغبة في الكتابة تراودني بقوة، بدوافع داخلية وأخرى خارجية. الدوافع الداخلية غير مفسرة، والدوافع الخارجية تعود إلى أنني كنت أحيا وحيدا، أستشعر فراغا كبيرا في حياتي، لا أملكه إلا بالقراءة، والقراءة في هذه المرحلة لم تكن موجهة من قبل أحد، لذلك كنت أقرأ كل ما يصل إلى يدي من كتب.

بدء من منتصف الستينات، تعرفت على مجلة الآداب ومجلة شعر البيروتيتين، وبدأت قراءاتي تتوجه نحو التراث الأدبي والفكري العربي، والأدب العربي الحديث، ومترجمات الأدب العالمي. أعجبت بقصص يحيا حقي ويوسف الشاروني ويوسف إدريس وقرأت كل أعمال نجيب محفوظ التي كان قد نشرها، وما كتب حولها من نقد، وخاصة كتابات صبري حافظ. كما قرأت الأدبيات الوجودية والماركسية والكثير من مترجمات الأدب العالمي. وفي هذه المرحلة، كتبت قصصا قصيرة وبدأت النشر سنة 1966 في الملحق الثقافي لجريدة الأنباء ثم في صفحة أصوات وفي الملحق الثقافي لجريد العلم. كنت ما أزال تلميذا في ثانوية القرويين بفاس، ومقروءاتي ولدت لدي صدمة كبيرة بالمقارنة مع ما كنا ندرسه. في نفس الثانوية وجد معي، وفي نفس المرحلة، القاص أحمد بوزفور، والشاعران عبد العلي الودغيري وأحمد مفدي، لكني سبقتهم إلى النشر، إن لم أكن قد سبقتهم إلى الكتابة. كما تعرفت على الشاعر محمد بنيس في نفس المرحلة، وقبل أن ننتقل إلى كلية الآداب بفاس، وتعرفت على الشاعر محمد السرغيني الذي مدني بالكثير من الرعاية الأدبية.

في كلية الآداب، التي التحقت بها سنة 1967، تعرفت على الكثير من الكتاب والشعراء الشباب: أحمد المديني، محمد بنطلحة، المهدي أخريف، إدريس الملياني، إدريس الناقوري، أحمد زيادي، وكثيرين، كانوا مهووسين مثلي بأسئلة الكتابة. تعرفت أيضا على أساتذة تشغلهم قضايا النقد والإبداع، وهم: محمد برادة، حسن المنيعي، محمد الخمار الكنوني، أحمد المجاطي، وأحمد اليابوري، وإبراهيم السولامي. وهؤلاء الأساتذة، أصبحوا بسماحتهم وتواضعهم أساتذة وأصدقاء، فتحوا لي بيوتهم، وحبوا كتاباتي بالكثير من التشجيع. في سنة 1968 نلت جائزة جمعية البعث الثقافي بمكناس، التي كان الأستاذ حسن المنيعي هو المشرف عليها، وفي سنة 1969 نلت جائزة القصة القصيرة، التي نظمها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فرع فاس، وكان في لجنتها الأساتذة: برادة واليابوري والمجاطي. علمتني هذه الوضعية: الاسترشاد بمقروءاتي، رفقة الأدباء الشباب، نيل جائزتين، الإصغاء إلى أسئلة الأدب والنقد التي كان يصوغها أساتذتنا من الغليان السياسي للمرحلة ومن الثقافة الطلائعية الجديدة التي كان يعرفها العالم.     

لذلك أقول إنني قد أتيت إلى الكتابة من القراءة، وبعبارة أخرى، لقد تعلمت الكتابة من القراءة.

محمد سعيد الريحاني: من بين الكتاب من جيل الرواد، يبدو أن محمد عز الدين التازي من القلائل الذين نالوا نصيبهم من المواكبة النقدية والتكريم والاعتراف في حياتهم. إلى ماذا تعزون ذلك؟

محمد عز الدين التازي: ليس من حقي أن أفسر ما قام به الآخرون تجاه أعمالي من مواكبة نقدية، أو احتفاء بشخصي، فهم الأجدر بأن يجيبوا عن هذا السؤال. أما من جانبي، فأنا لم أحرض أحدا على أن يكتب عن عمل من أعمالي، ولم أسع إلى الجوائز، إيمانا مني بأن الجوائز هي التي تأتي إلى الكاتب وليس هو من يسعى إليها، ولم أدفع بجهة من الجهات التي كرمتني، وهي كثيرة، إلى أن تقوم بهذا التكريم. إنني بالمناسبة، أشكر تلك الجهات مبادرتها التي هي محل تقدير مني، لكني غارق في مشاريعي الأدبية، ولست ممن يكتبون ويروجون بالدعاية لأعمالهم.

محمد سعيد الريحاني: الراحل، الشاعر الكبير محمد الخمار الكنوني، صاحب الديوان الشعري الوحيد: رماد هسبريس الصادر سنة 1987، في أحد حواراته نصح الشعراء الشباب بأن يكونوا مقلين في إنتاجاتهم. بالنسبة لمحمد عز الدين التازي صاحب أزيد من خمسين عملا إبداعيا في شتى الألوان الأدبية، من القصة القصيرة مرورا بالرواية والمذكرات ووصولا إلى أدب الأطفال، بماذا تنصح الكتاب الشباب؟

محمد عز الدين التازي: كان المرحوم الشاعر الكبير محمد الخمار الكنوني قد وجه إلي نصيحة من نوع آخر، وهي أن أكتب باستمرار، وألا أنتظر نشر عمل حتى أكتب آخر. والمرحوم محمد الخمار كان قد حدثني عن رواية شرع في كتابتها، فهو نفسه، كسعدي يوسف، وغيرهما من الشعراء، وجدوا في الكتابة السردية ما يغري بارتيادها. وحقا، فلقد كان محمد الخمار، إلى جانب أحمد المجاطي، شاعرين مقلين، يُقَطِّرَان قصائدهما ويعتصران معانيها وصورها ولغتها من تكثيف شعري دال وموح ورامز. ذلك كان توجههما في الكتابة الشعرية. أما بالنسبة إلي، وإلى كتاب وشعراء مغاربة آخرين، فالكم ليس دليلا على القيمة الأدبية للكاتب أو الشاعر، ومع ذلك، قليلون هم الذي وصلوا إلى تحقيق القيمة الأدبية بعمل واحد، كما حدث مع رامبو على سبيل المثال. إن الكَمَّ هو الطريق في رأيي، للوصول إلى النوع، أي إلى التنويع في الأشكال والمضامين. إن روائيا كنجيب محفوظ، وقد نشر أزيد من أربعين رواية، ما كان بإمكانه أن يُوَسِّعَ من عوالمه ومن بنائه للأشكال، وكذلك الأمر بالنسبة لروائيين عرب، كإدوار الخراط ،إلياس خوري، نبيل سليمان، ومغاربيين كواسيني الأعرج، أحلام مستغانمي، صلاح الدين بوجاه، محمود طرشونة، ومغاربة كمبارك ربيع، أحمد المديني، والميلودي شغموم.

أنصح الكتاب الشباب بألا يستمعوا إلى نصيحة أحد، ففي مجال الكتا

المزيد


حوار مع المبدعة والناقدة المغربية الدكتورة زهور كرام

مايو 25th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

أجرى الحوار الكاتب  المغربي محمد سعيد الريحاني

سؤال: كيف تستحضر زهور كرام بداياتها مع الكتابة؟     

جواب:  علاقتي مع الكتابة تشبه إلى حد ما، هدا الشيء الذي يكبر معنا، دون أن ننتبه  إليه، إلا حين يفرض نفسه بشكل ملموس.

لكن ، ما أتذكره أني مند بدأت أعي الأشياء والعالم والدات، في حدود تجربتي الخاصة، انتبهت إلى أن عشقا يجذبني نحو  الكتابة، ليس باعتبارها عنصرا تكوينيا تعليميا ، تدخل في صناعة حرفة التعليم والتربية، ولكنه عشق خاص واستثنائي.  إنها تأتيني رغبة وآتيها عشقا، وتدخل  شيئا من الفرح إلى الوجدان.

 بعدما بدأ العمر يعرف نضجه في مرحلة الثانوية، اكتشفت أني أكتب يومياتي، و بشكل يومي وبدون رتابة أو ملل. بل كنت أكتب كل  مساء تاريخ يومي، وهو تاريخ عندما أعود إلى قراءته اليوم، وأعيد قراءة دلك الدفتر_ اليوميات أجده يعبر عن  تاريخ رؤيتي للأشياء، بما فيها الأوضاع التي كنا نعيشها بالثانوية والإضرابات والامتحانات، وأخبار الساسة والسياسيين، كيف كنت أقرأها وأحكيها. ثم وجدتني أكتب شعرا أو شيئا يشبه الشعر. وأتذكر أني كتبت نصوصا شعرية كثيرة ،كان معظمها حول القضية الفلسطينية. وأحيانا كنت أرمز من خلال القضية الفلسطينية إلى بعض القضايا المحلية. لكني، ما أزل أحتفظ بالدفتر_ اليوميات، أما دفتر النصوص الشعرية فقد ضاع مع مرحلة الإضرابات في الثانوية ،حين كان مجرد مقرر الثورة الروسية قد يكون سببا للإدانة والاعتقال .

بقيت أكتب ما كنت أعتبره شعرا، إلى حدود السنة الأولى من الجامعة، بعدها اكتشفت ذات يوم أني أبحث عن شكل تعبيري آخر، غير الشعر لكي أعبر وأحكي عن أشياء بدأت آخذ منها مواقف، أو بدأت تخلق لدي بعض الإزعاج من حيث المعنى والفهم. تكللت علاقتي بالكتابة بنشر مقالات صحفية وأنا ما أزال طالبة، بل كنت في نفس المرحلة قد بدأت أنشغل بالحس النقدي، والأسئلة الثقافية ولهدا كنت أنشر مقالات ودراسات نقدية.وهي مرحلة كانت مهمة من حيث علاقتي مع الكتابة التي تكللت بإصدار أول عمل روائي لي جسد ومدينة ، سنة 1996.  بعدها  انخرطت في عالم الكتابة الإبداعية والنقدية وأيضا الكتابة في قضايا فكرية.  

      لا أعرف هل هده هي بدايتي مع الكتابة. ربما  هي كذلك. أو شيئا آخر أحاول اكتشافه، وأنا أتأمل من خلال سؤالك تاريخ علاقتي مع الكتابة.لكن الشيء الذي أدركه كلما كتبت، أني لا أحملها إغراء أو وهما، أو معبرا لمنطقة أخرى. كلما أعدت قراءة ما كتبت، أكتشفني من خلالها، وأكتشف عشقي  لها. وهو عشق تحول إلى مسؤولية. ولهدا، أعتبر أن من بين مظاهر الأناقة الحضارية هو التعامل مع الكتابة بشئ من الرقي في المسؤولية. عبرها أتنفس الهواء النقي ، وأسافر في المعرفة والإنسان والمكان والزمن، تمنحني جواز المرور بشرط أن أكون صادقة مع زمنها ، وأكتشف أني كلما كنت صادقة مع زمنها ،كلما منحتني ما لم تمنحه لي الحياة من سمو في معنى الوجود. هي أجمل انتماء لي في هدا الزمن.    


سؤال: بين كفتي النقد والإبداع، أين تجد زهور كرام  ذاتها أكثر؟    

جواب: سؤال يطرح علي باستمرار، وأنا أجدني بين النقد والإبداع أعيش حالة التحرر من الثوابت  والسلط . لا أعيش تناقضا بينهما، أو تناحرا أعيش انعكاساته على لغتي وشكل تفكيري، وإنما أعيش حالة من المتعة وتجديد المعرفة. كل حقل يكمل الآخر، بل كل جانب أراه ينعش الجانب الآخر في شخصيتي. ليس هناك تعارض بقدر ما هناك حوار يتجدد باستمرار من خلال علاقتي الحيوية بينهما. النقد كما أقول دائما الاشتغال فيه وعليه يدربني على منطق التفكير، واستعمال كل الحواس لخلق علاقة وصال ممكنة مع النص ، من دوق، وإصغاء، وقراءة المعلن والمخفي، وتنشيط الخلفية النظرية النقدية، تبعا لطبيعة علاقة التواصل مع النص، بدون جعل الخلفية سلطة تعمل على تقزيم النص، وجعله يخضع لافتعال القراءة حتى تبقى الخلفية النظرية ذات شرعية. النقد علمني كيف أشكل خلفية نظرية لقراءتي، دون أن أصبح  تابعة لهده الخلفية . أما الإبداع فإنه حالة استثنائية في علاقتي مع الكتابة، لا أطلبه بطلب ولا آتيه تحت وصاية، إنما هو المساحة الوحيدة التي أتركني أعيشها بكل تلقائية مثل الحب. لكن الإبداع قد يستفيد بشكل أو بآخر خاصة بشكل ضمني من خلفيتي النقدية التي لا أستحضرها وأنا أكتب، ولكن لاشك أنها تفعل من حيث لا أدري. والإبداع الذي هو في الوقت نفسه إحساس وإنجاز وسلوك رمزي ، يساعد لغتي النقدية على أن تغادر صلابتها الاصطلاحية، وصرامة المفاهيم. لهدا، أجدني بين النقد والإبداع أتشكل .وأعيش وضعا أتجدد كل لحظة فيه،   

سؤال:ما هي  أقرب أعمالك إلى قلبك؟

جواب: عندما ندخل مجال الكتابة بعشق بعيدا عن المزايدة والمقايضة، وجعل الكتابة مجرد معبر إلى أشياء أخرى، فإن كل ما يصدر عنا من كتابات أو على  الأقل عني، فهي كتابات ننتمي إليها، وتنتمي إلينا، ومن ثمة يصعب التمييز بينها _ نقديا ممكن_ أو اعتبار نص أقرب من القلب من نصوص أخرى. كتاباتنا تشبه أولادنا، كلهم في قلب القلب، حتى وإن كان الابن معاق، أو به خلل وراثي أو ما شابه، فإنه  يحظى بحب أكبر. لأن كل ما يصدر عنا يذكرنا بتاريخنا بتجاربنا بآلامنا بسعينا نحو الحياة. كيفما كان هدا التاريخ. لهدا فكل نصوصي هي قلب القلب. ربما بعضها حظي باهتمام أكبر من الآخر وهدا يعود إلى سياق القراءة في المشهد الثقافي ككل. مثلا القراءات الكثيرة التي حظيت بها قلادة قرنفل أكثر من قراءات جسد ومدينة لأن مع القرن  الحادي والعشرين  تطور سؤال القراءة، بسبب بداية اهتمام كثير من المغاربة بالنصوص المغربية خاصة مع ظهور جمعيات ومجموعات بحث بالجامعة واهتمام الباحثين بنصوص المغاربة وأيضا الاهتمام بكتابات المرأة وانفتاح النقد العربي على التجربة الإبداعية المغربية.ما عدا دلك فكل ما أكتبه يقربني من ذاتي. وكلما اقتربت من ذاتي، شطبت على الوهم وواجهت الحياة بالتحدي من أجل وجود فاعل.


سؤال: لمادا يميل الرجال للهيمنة على النثر وخصوصا على جنسي الرواية والمسرح بينما تنسحب الأديبات، في الغالب، للإبداع الشعري؟           

جواب:

 تاريخ الرجل العربي  بالكتابة أكبر من تاريخ المرأة العربية. وهدا راجع إلى عدة أسباب، لا مجال لذكرها هنا. لأنها ترافق باستمرار مناقشة إشكالية المرأة في التاريخ العربي والإنساني أيضا. لا ننسى أننا عندما نكتب الإبداع، فإننا ننتج العالم الرمزي، أي ننتج تمثلات لمفاهيم وتصورات ما تعيشه مجتمعاتنا ودواتنا على مستوى

المزيد


أحمد زنيبر ينفض الغبار عن الذاكرة الشعرية المغربية

مايو 12th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

إحياء المنسي

أنجز الحوار: عبد العزيز بنعبو

ahmedz

صدر حديثا للباحث المغربي الدكتور أحمد زنيبر، كتاب تحت عنوان "المعارضة الشعرية عتبات التناص في القصيدة المغربية"، يتناول بالدرس والتحليل فضاء المعارضة بوصفها ظاهرة طبعت المشهد الشعري القديم بالمغرب، وباعتبارها مجالا خصبا كشف عن مظاهر التأثير والتأثر اللذين سرَيا في عمق الأعمال الإبداعية المغربية، من ناحية، وما أفرزته من قضايا نقدية متعددة ومتنوعة، دار حولها كثير من الجدل والمساءلة، كان على رأسها قضية التقليد والتجديد، وما انبثق عنها، تبعا لذلك، من مظاهر التناص في القصيدة العمودية، من ناحية ثانية.

يقول الدكتور محمد مفتاح في تقديمه لهذا الكتاب: " لقد حاول المؤلف أن يرصد أهم الأنواع، التي تشكلت منها المعارضة الشعرية، وأن يتتبع نظامها ومراسمها، في هذه الحقبة من تاريخ المغرب، وفق استراتيجية محكمة، قوامها المقارنة والموازنة، رسم خلالها حدود العلاقة التفاعلية بين النص المعارِض والنص المعارَض، بقصد إظهار ما تشابه وما اختلف، تصورا وبناء ودلالة. وهو ما مكن الأستاذ الباحث في النهاية من تفسير أسباب انتشار واستمرار الظاهرة المدروسة وتأويلها، انطلاقا من مساءلة الخلفية الفكرية والسياسية، التي كانت تشغل بال المثقفين في هذا العصر، وتدعوهم، عبر آلية المعارضة، للتباري وإظهار التفوق، على من سواهم من المعاصرين لهم أو السابقين ممن كان لهم كبير الأثر، في المشهد الشعري، ذاكرة وحضورا."

صدر الكتاب بدعم من وزارة الثقافة عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط. ويقع في ثلاثمائة وثمانية وعشرين صفحة من الحجم الكبير. أما لوحة الغلاف فللإيطالي ألبرتو ما نيللي. من أجل الغوص عميقا في تفاصيل هذا الكتاب الحدث نحاور صاحبه مستفسرين عن ما علق بأذهاننا من أسئلة بعد القراءة الأولى لهذا المؤلف.

 

1 السؤال /المدخل إن صح التعبير هو الاستفسار عن أسباب النزول بمعنى لماذا هذا الكتاب؟ وهل نحن في حاجة إليه؟

يأتي هذا الكتاب، في سياق الأبحاث النقدية التي تهتم بقضايا الأدب المغربي، وتتوجه نحو مقاربة مادته الإبداعية، تارة بالجمع والتحقيق، وتارة أخرى بالدراسة والتحليل. ومن ثمة، يندرج موضوع الكتاب ضمن هذا التوجه، حيث تم اختيار إحدى الظواهر الأدبية، التي طبعت المشهد الشعري بالمغرب، لفترات زمنية، ممثلة في ظاهرة المعارضة باعتبارها مجالا خصبا للقراءة والمتابعة. أما أسباب الاختيار فذاتية وموضوعية، في آن، منها وجود تراكم كمي لعدة نصوص تعالقت فنيا مع نصوص أخرى، فتحت آفاق البحث في مسألتي الإبداع والاتباع واستوجبت، تبعا لذلك، وقفة تأملية للحوار والمساءلة.

وبخصوص الشق الثاني من سؤالكم فموكول، في واقع الأمر، إلى المتلقي. فهو من يفصح، بعد عملية القراءة طبعا، عن مدى إفادته من هذا العمل، وبالتالي مدى استخلاصه لرؤي

المزيد


عبد القادر الشاوي: السجن علمني أن أجعل من ذاتي عنوان تجربتي وخبرتي في الحياة

مايو 4th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

 

701art

 

 

حاورته: لطيفة لبصير

 عن موقع كيكا

http://www.kikah.com

عبد القادر الشاوي باحث وروائي مغربي، له عدة مؤلفات في مجالات فكرية، سياسية وأدبية مختلفة. معتقل سياسي سابق، جسدت كتاباته العديد من تناقضات المجتمع المغربي وأحلام جيله. صدر له في الرواية "كان وأخواتها"1986 ،"دليل العنفوان" 1989 ،"باب تازة" 1994 ، الساحة الشرفية" 1999 التي حصلت على جائزة المغرب للأدب، "دليل المدى" 2003 ،"من قال أنا؟" تخييل ذاتي 2006 . كما أنجز العديد من الأبحاث والدراسات الأدبية نذكر منها "الذات والسيرة" 1996 ، التخلف والنهضة" 1998 ، "الكتابة والوجود،السيرة الذاتية في المغرب" 2000 …إلخ. يعد عبد القادر الشاوي من المهتمين بالسيرة الذاتية وقد هيمن هذا المدى على مسار كتابته الإبداعية، فالذات بالنسبة له تخييل وواقع في نفس الآن، تعمل الكتابة على السؤال في قضاياها.

هنا حوار مع الكاتب والروائي عبد القادر الشاوي:

لطيفة لبصير: تجسد  كتاباتك الكثير من القلق والارتباك والحنق، إذ نشعر في كثير من الأحيان سخطك على واقع الذات المتكلمة التي يمثلها راويك، وسخطك على واقع كبير. ألا يمكن القول إنك تهدد بسقوط العديد من القيم والمبادىء التي آمنت بها سابقا؟

عبد القادر الشاوي: يمكن اعتبار الكتابة الأدبية لحظة تمرين قصوى للسيطرة على اللغة وعلى العالم المروي وعلى القارئ نفسه، وكذا على عملية التفاعل (مع المجال العام) التي ينشدها كل كاتب استوفى شروط الكتابة الأدبية التي لا تستقيم هذه بدونها. ومن الطبيعي أن نستنتج أن في ثنايا هذه العملية هناك أيضا عملية أخرى موازية للسيطرة على المواقف العامة المراد التعبير عنها بصورة واعية أو غير واعية.

ويخيل إلى أن الانخراط في هذه العملية الصعبة، عندما تتاح جميع الظروف المناسبة للقيام بذلك على الوجه التام، يحتاج إلى تركيز ذهني كبير، مثلما يحتاج إلى استعداد نفسي وعقلي يسهل الانصهار المطلوب في الأجواء التي تقتضيها المناسبة، مناسبة الكتابة الأدبية.

مرادي من ذلك أن أقول إن وعينا بالكتابة "الصافية" (الذي قد يكون وعيا قصديا نتوخى منه التعبير عن أفكارنا العقلية المنظمة) لا يتطابق باستمرار، من جهة،  مع ما قد تمليه هذه الكتابة من اشتراطات وتأثيرات لغوية وذهنية ونفسية بحكم طبيعة الكتابة نفسها من حيث هي نظام لغوي، وكذا مع المواقف المدركة التي نود التعبير عنها لأنها تتأثر أيضا بالمناخات (من حيث هي سياقات للتعبير الأدبي والفني) التي نعبر عنها أو نتفاعل معها قصد التعبير عنها.

ومن هذه الزاوية لا أجد في الروايات التي نشرتها لحد الآن أي نمط من التعبير الصريح والواعي عن القضايا الخاصة، سياسية وإيديولوجية، التي انشغلت بها في فترات الكتابة، بل ولقد عشت في أتون ذلك باستمرار على نوع من التناقض المدمر بين تصوراتي السياسية (التي أحسبها يسارية) وبين "التناول" الذاتي الذي غالبا ما ألقى بي في سياقات متعارضة إلى هذا الحد أو ذاك مع بعض الاعتقادات التقليدية البديهية المترسبة في وجداني. هذا مع علمي، وتلك خصيصة نفسية ما انفكت تلازمني منذ سنوات، أنني أميل ما أكون إلى حالات السلب منه إلى حالات الإيجاب، وأشد ميلا إلى السخرية ذات الطبيعة السوداء التي لا تبقي (من حيث المعنى) على أي شيء كما على الذات أيضا ولا تضر. بل وأصارحك أنني لا أجد في الكتابة الأدبية التي أكتبها أي مبرر عقلي ولا منطقي لممارسة خلاف ذلك.

هذا يجعلني أستحضر المقولة الشهيرة لجان بلمين نويل أن الكتابة تقول أكثر من الكاتب، وقد يفاجأ الكاتب بأشياء صدرت عنه دون علم منه تكون الكتابة هي المسؤولة عنها وليس الكاتب، وهذا يدفعني إلى أن أبحث عن تبرير للتجنيس لديك، فأنت تترواح بين الرواية والسيرة الذاتية، وفي عمليك الأخيرين "دليل المدى" و" من قال أنا"، نجد تصنيفا أجناسيا هو التخييل الذاتي، هل هذا الانتقال مرده إلى ضرورة الكتابة التي تفرض ميثاقها، أم أنه يخضع هو الآخر إلى التطورات النظرية التي تعبر إلى التخييل الذاتي، باعتبار أن كل شيء حقيقي، وكل شيء يعاد صنعه؟

هناك تواز غير مدرك بين الكاتب (الذات، المستوى الثقافي والفكري، التفاعل الوجداني من حيث الرغبات والعواطف) وبين الكتابة (نظام تعاقدي ومعياري) يتراوح، في كثير من الأحيان، بين التناظر والتفاعل حسب الأوضاع والمقامات. وعندما أشرع في الكتابة الأدبية، على وجه التحديد، أجعل من نفسي في موقع من يريد استخدام النظام التعبيري (اللغة والبنيات الذهنية) كأداة لبلورة التصورات المفكر فيها أو العوالم المراد بناؤها أو الفضاءات المراد طرقها وتأثيتها، وتتأثر هذه العملية بوضعيتي الشخصية وبدرجة وعيي الثقافي وكفايتي اللغوية، كما أنها ترتبط بغير ذلك من التأثيرات الظرفية المصاحبة التي تتفاعل فيها بينها في محاولة لإحداث وبلوغ الغاية المنشودة من التعبير على درجات مختلفة من القوة أو الضعف، من السهولة أو الصعوبة… إلخ.

ولذلك فإن علاقة الكاتب بالكتابة لا تنبني على الدرجة أو الرتبة بل على الوظيفة، أي ماذا أريد من كتابتي الأدبية أن تقول عندما يكون في مبناها ومعناها، بناء على الشروط المصاحبة، ما يشكل القول ويصوغه. وإذا كان من الصحيح أن نتساءل، في بعض الأحيان، عن درجة الوعي التي يمكن أن تصاحب سؤالا من هذا النوع، وهل في صياغته ما يفيد العلم بالغاية المرجوة، فإننا مع ذلك نستطيع أن نتحكم بقدر معين في جعل الكتابة الأدبية صيغة من الصيغ الممكنة للتعبير عن المواقف التي نريد إبلاغها أو الإعلان عنها.

عندما تقول الكتابة الأدبية أكثر من الكاتب فمعناه أننا في دائرة التأويل الذي يمكن أن يصطنعه القارئ المفترض لقراءة ما يًكتب ومن يَكتب، أما عندما يقول الكاتب ما يتوخاه من الكتابة، بالمعنى الذي شرحته في السابق، فمعناه أننا في دائرة الإبداع، ولا يمكن الحديث عن الإبداع في هذا المجال إلا من خلال الكتابة، مثلما لا يمكن الحديث عن اللوحة مثلا إلا من خلال التشكيل الفني الذي يكونها. هذا ما يدفعني إلى القول: إن على الكاتب أن يتوقع لا أن يكون ضحية للمفاجأة، مثلما عليه أن يكون مبدعا لا داعية.

من هنا أصل إلى مسألة التجنيس التي أراها، في الواقع، على صلة أكثر بطبيعة النصوص التي ننتجها عندما تطاوعنا الكتابة الأدبية لإنتاج نصوص جيدة تستحق القراءة والتأويل. أعني بذلك أن الطبيعة التجنيسية للنصوص مرهونة بطبقاتها من حيث هي بنيات ومقولات ومواثيق أكثر مما هي من وحي تنظير يرتبط بالمفهوم التاريخي للتراكم الذي تحققه النصوص عندما تستقل بنفسها كنصوص تعبيرية أدبية من نفس الطبيعة، مع الاعتراف، بطبيعة الحال، بأن التخييل الذاتي يستهويني أكثر لأنه يتيح لي إمكانية هائلة للتعبير الحر، وكذا لتشكيل عالم "مبتدع" يتوازى مع كثير من التصورات التي أكونها عن نفسي وعن العالم من حولي.

ما في ذلك شك أن التخييل يتيح إمكانات أكبر في صوغ الذات، وحتى في صنعها، لماذا أتحدث هنا عن الصنع، لأن اللغة تقدم خطابا آخر، بالرغم من أن الكاتب قد يشتغل على أحداث واقعية. ونعود لنصوصك، أنت تشتغل على الذاكرة، بشكل كبير جدا، وهي ذاكرة متصدعة، مكلومة وتتحدث كما رأيناها في " دليل العنفوان" أو"دليل المدى" مثلا، عن مراحل عبرت من العمر، وفضاءات عاش فيها الكاتب( الرباط، البيضاء…)، لكنه أعاد صياغتها أدبيا إذ أننا نجد الأحداث منسوجة، أو أنها تصنع نوعا من الكذب الصادق،  خاصة ونحن نقرأ عملك الأخير" من قال أنا"، كنت كمن يهيىء قبره، حتى أن النص يبعث على الرهبة حين نجد أصدقاءك هم من يتحدثون عنك في المستقبل، طبعا من خلال تخييل صنعته أنت . وفقا لهذا الاعتبار، فإن زمن الماضي والمستقبل هما زمنان غي

المزيد


أسئلة البدايات مع الباحث والناقد الأدبي أحمد زنيبر

أبريل 6th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

 

 

 

حاوره: عبد الله المتقي

 

 

·       ما هي النصوص الأولى التي ورطتك في الكتابة؟

يبدو لي من الصعب جدا تحديد النصوص الأولى المؤسسة لتجربتي المتواضعة في الشعر والكتابة، نظرا لما عرفته من تحولات وتبدلات سريعة على مستوى التلقي وعلى مستوى التعبير، كذلك. ومن ثمة، أقول إنها ركام من النصوص المتناثرة، تنوعت أغراضها وتعددت أشكالها، تم استقبالها أولا، بشكل إجباري أثناء المراحل التعليمية المختلفة، الثانوية منها والجامعية، وثانيا تم انتقاؤها واعتمادها بشكل اختياري، خلال مراحل التكوين الذاتي. وللأمانة العلمية وللتاريخ أيضا، أنا مدين لكثير من النصوص العربية الوازنة، شعرا وقصة ونقدا وفلسفة ومسرحا، منها تلك التي ما زلت أذكرها ببعض التفاصيل والجزئيات، ومنها التي تماهت مع نصوص أخرى فاختزنتها واختزلتها الذاكرة لحظة الإبداع والكتابة.

 

·       متى أصابتك لعنة الكتابة الأولى؟

هي رغبة ومتعة قبل أن تكون أو تصير لعنة، بالمعنى المجازي طبعا. إنها حضن من لا حضن له. تسد فراغك الروحي أحيانا وتنقلك إلى عوالم دونما حاجة إلى جوازات سفر. تأخذ بيدك حيث لا مؤنس أو رفيق. تبادلك العشق كلما أخلصت لها البوح وقاومت النسيان. أذكر أن كتابة الخواطر والرسائل واليوميات كانت كلها، بالنسبة لي، مرحلة حبو أدبي قادني في ما بعد إلى صقل الخطو قراءة وتدبرا وممارسة. ولعل الفرح المعنوي الذي انتابني يوم نشرت أول عمل أدبي، بجريدة مغربية، كان لحظة قوية ومحفزة للمضي قدما في اختراق الذات والعالم بالمحو، تارة، وبالكتابة تارة أخرى.

 

·       هل تذكر فاتحة نصوصك الشعرية؟

حكايتي مع الفواتح طويلة. وكثيرا ما أرقتني حين تقف حاجزا أمام انطلاقي. وينصب هذا الأمر حتى على أعمالي النقدية. فالكلمات أو الجمل الأولى شكلت، عندي، مخاضا حقيقيا لولادة العمل الفني. ثمة فواتح كثيرة، مستمدة من عوالم ومظاهر شتى، تسكن ذاكرتي إما لقوتها الدلالية وإما للحظة صوغها وانسيابها. وما بين الفتح والختم الإبداعيين كانت الذات الكاتبة تبحث عن رحيق تعبير وحرية تنشدان التواصل والتداول.

 

المزيد


حوار مع الباحث والقاص والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني

مارس 27th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

"لَوْ لَمْ أَكُنْ كَاتِباً  لَكُنْتُ فَناناً تَشْكِيلِياً"

حاوره: سليمان الحقيوي ومحمد العناز

سؤال: منذ صدور مجموعتكم الأولى، "في انتظار الصباح"، سنة 2003 يبقى اشتغالكم على لعبة الضوء (الأبيض والأسود) انطلاقا من أغلفة صور المجاميع القصصية وانتهاء بمحتويات النصوص، ما هي تفاصيل هذا الوعي الجمالي؟

جواب: لو لم أكن كاتبا، لكنت، بكل تأكيد، فنانا تشكيليا. فقد تربيت على يد أخت فنانة جادت علي بكل ما اكتسبته من حب للجمال ومهارة في نقله بالخط واللون والكلمة. ولأسباب تتعلق بصغر سني (15 عاما آنذاك)، لم تسمح لي عائلتي بالسفر إلى مدينة بعيدة كطنجة لتحويل هوايتي إلى دراسة. لكن، رغم عدم استكمالي لمسار كنت أتمناه وهو الفنون التشكيلية، فإن عشقي للوحة لم يتوقف ما دامت الحياة مستمرة. فلا زال الفن يدب في عروقي لدرجة لا أقبل فيها، الآن بعد دخولي عالم النشر الورقي، بتصميم غيري لأغلفة كتبي…

 

 

ولعل اهتمامي بالفن ظاهر في نص "حديث غراب" حيث نقرأ بعض المفاهيم من المعجم الفني التشكيلي كما في هده الفقرة:

"سُتنَصَبُ حاملَ اللوحة وتُخرِج أدوات الرسم والتلوين من حقيبتك استعدادا للعمل وتجلس لترتيب الأصباغ على حاملة الألوان.

(…)

الطــبـيعة أمام عينيك صامتة، مـيتة… إنما المنظر متوازن وجيد التأطير: الأشجار على حافتي اللوحة تقف إطارا لها تسمر في خلفيتها القريبة بغل  محمل بالأثقال، أما في خلفيتها البعيدة فــترعى ثيران مغلولة القوائم، يجر أقواها من القرنين عبد من عبيد الضيعة، ويتقدم به نـ

120674

حو واجهة اللوحة

يتبع الثور العبد دون عصيان ليربطه في جذع شجرة مقطوعة، قبالتك، في منتصف اللوحة،في انتظار الآتي…" 

(مقتطف من نص "حديث غراب" عن المجموعة القصصية "في انتظار الصباح" الصادرة سنة 2003، الصفحة 30)

ربما على هده الخلفية، يمكن قراءة حضور الضوء والظل بدء من "تصميم الأغلفة" ومرورا ب"تشكيل النصوص" وانتهاء بتقسيم المجاميع القصصية المنشورة إلى "م

جاميع فاتحة" و"مجاميع داكنة".

الضوء والظل يعادلان في معجم رموز اللاشعور الجمعي الإنساني للمنطوق والمسكوت عنه في النص، للمركزي والهامشي في الموضوع، للواعي واللاواعي في الخطاب…

الضوء والظل يحتلان قيمة  رمزية في نصوصي كما يمكناني من تنشيط التقابلات التي أشتغل عليها بنجاعة ما بين الوجود والعدم، التطور والثبات، الفعل واللا فعل، الواقع والمثال، الحياة والموت ، القول والفعل، الوضوح والغموض، اليق

ين والشك، الاستقرار والتيه، الإنفتاح والتطرف، الفرد والمجتمع، الحب والكراهية، الحرب والسلم، المنطوق والمسكوت عنه…

سؤال: تذكرنا  قصتك الجميلة "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" بالسخرية المرة في قصص زكريا تامر، ما هي حدود التقارب والتباعد بينهما؟

جواب: الأحجية كا

نت أولى العربات التي قادتني إلى عالم الحكي إلى جانب النكتة التي تظل العربة الثانية. فقد كنت، في فترة مراهقتي، أحفظ عن ظهر قلب أغلب النكت المتداولة. بل كنت ماهرا في التصرف فيها نصيا كما كنت أولي شكل العرض الجسدي للنكتة عناية خفية. ولعل من الآثار الظاهرة للنكتة في نصوصي القصصية الراهنة هي"السخرية"، هذه الأداة السردية والأسلوبية الفعالة القادرة على توليد القراءة المناسبة للنص وإيقاظ القارئ ذاته.

إن  السخرية أسلوب فني وظيفته "قلب" تذوق الحياة و"قلب" الرؤية للعالم وللوجود. بل إن السخرية لا تكتفي بقلب الرؤى والقناعات والتوقعات. إنها أسلوب في التعبير وشكل من أشكال دعم «تعددية المعنى» في النص الذي يحتمل أكثر من قراءة وأكثر فهم. وبذلك تصبح السخرية منارة لعوالم نغفلها بفعل العادة والكليشيهات والرغبة في الحفاظ على خطاب واحد "جدي"، وتنقلنا إلى ما وراء القراءة الواحدة للواقع وللوجود بتمكيننا من لزوم المسافة من الخطاب المسرود. وهي فرصة ثمينة لاختبار الرؤى وتقييم الأحكام والقناعات. وللسخرية أدوات عديدة أهمها:

أولا، تقنية السارد المغفل ironic persona=) ( حيث السارد لا يعلم مصيره وباقي الشخوص يعلمون كما في نص "الرجل الأرنب" من مجموعتي القصصية "موسم الهجرة إلى أي مكان" (2006) .

ثانيا، تقنية التضاد بين رؤية الشخصية للوضع وحقيقة الوضع في الواقع (=Situational irony) كما في نص "أرض الغيلان" من مجموعتي القصصية "في انتظار الصباح"(2003) .

ثالثا،  تقنية "السارد الدنيوي" ( (dramatic irony= الذي يعرف القراء مصيره بينما يجهله هو بمعية بقية الشخوص كما في نص "حالة تبلد" من مجموعتي القصصية "موت المؤلف".

رابعا، تقنية التنافر بين القول والمقصود، بين الدال والمدلول ((verbal irony= كما في نص "الحياة بالأقدمية" من المجموعة القصصية " موسم الهجرة إلى أي مكان "(2006).

وأود بالمناسبة أن أشير إلى أنني، في سبيل تثبيت قراءة جامعة ومبوبة لأعمالي، سأعمل على طبع مجاميعي القصصية في مجلدات، في "أعمال كاملة"، وستبوب مجلدات الأعمال الكاملة إلى صنفين: "مجاميع قصصية داكنة" و"مجاميع قصصية فاتحة" .

"المجاميع القصصية الداكنة" وهي المجاميع التي بدأت بها مشواري الإبداعي والتي هيمن اللون الأسود على أغلفتها والسخرية على أساليبها والتوق للحرية على مضامينها.  وهده المجاميع القصصية هي "في انتظار الصباح" و"موسم الهجرة إلى أي مكان" و"موت المؤلف" و"وراء كل عظيم أقزام" و"حوار جيلين"  (المجموعة المشتركة مع القاص المغربي إدريس الصغير).  

أما الصنف الثاني من مواد الأعمال الكاملة، فَسَيُجَمََعُ ضمن مواد مجلد آخر بعنوان "مجاميع قصصية فاتحة" وهي المجاميع التي سأختم بها تجربتي في الكتابة القصصية والتي سيستبدل فيها اللون الأسود على الأغلفة بألوان أكثر تعددية ومُغايَرَةً وستفسح الحرية مجالا أرحب للحب والحلم وستنجلي السخرية، موضوع سؤالكم، ليحل محلها "الخلاص". والمجاميع القصصية المندرجة تحت هذا "الصنف الفاتح" من الأعمال القصصية هي "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر" و"كما ولدتني أمي" و"كيف تكتبين قصة حياتك"…

سؤال: نصكم القصصي الموسوم "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" يخرج عن الخطاطة السردية التي تتضمن الاستهلال والحدث والوضع والمدخل ثم النهاية، إذ أن حالة اللا توازن هي المهيمنة في النص بأكمله والسارد عبر تقنية التكرار يعتمد خلخلة أفق انتظار المتلقي، كيف تعلل ذلك؟

جواب: نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"، من بين كل النصوص القصصية التي كتبتها، يبقى النص القصصي الوحيد الذي تعدى عند نشره حاجز الأربعين منبرا إبداعيا عربيا، بين رقمي وورقي، وأنا سعيد بذلك.

أغلب الكُتََاب يقاومون الحديث عن نصوصهم وأعمالهم ليس من باب التواضع ولا من باب الإيمان بأن النصوص "تنكتب" لوحدها. إن الكُتََاب يقاومون الحديث عن نصوصهم وأعمالهم لسبب بسيط وهو أنه ليس بمقدورهم الحديث عن أعمالهم ب"موضوعية" ما داموا لحظة الكتابة يكونون أسرى الذاتية وأسرى رؤية أعمالهم من الداخل. ولذلك، اعتقد بأنني، بعد مرور سنوات على كتابة هدا النص، أستطيع الحديث عنه ك"قارئ" متجرد من كل "ذاتية".

أعتقد أن أربع خواص تميز نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي": أولا "الاحتفال بالرمز" أي الاسم الفردي، وثانيا "الكاليغرافية" أي محاولة تجسيد المضمون بصريا، وثالثا "خاصية القصر" أي قلب البطولية والعظمة التي يمكن أن تحيل عليها عظمة المدينة واسم حاكمها العظيم،  ورابعا "التكرارية الوظيفية".

ف"الاحتفال بالرمز"، العنصر الأول من العناصر الأربعة المتحكمة في خيوط نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"،  يستمد،  مثل سائر نصوصي التي يكون فيها الاسم الفردي هو الشخصية المحورية،  مبرر وجوده ومقوماته الفكرية ورمزيته الإبداعية من كتابي الأول "الاسم المغربي وإرادة التفرد" سنة 2001 والذي اعْتُبِرَ في حينه أول دراسة سيميائية للاسم الفردي العربي. وقد تم توظيف هدا الاسم الفردي بالذات، "الحجاج بن يوسف الثقفي"، نظرا للإجماع التاريخي القوي على ارتباطه بالظلم والتنكيل والبطش والتعصب للرأي الواحد. وبدلك، هيمن "الاسم الواحد"، اسم "الحجاج بن يوسف الثقفي"، "اسم الحاكم المطلق" على كل شبر من الأرض وكل نسمة هواء وكل جملة وكل فكرة وكل صورة… فصادر ملامح الناس لتبقى ملامحه هو، وحول كل الأحياء إلى مجرد عابرين في الحياة ليبقى وحده الخالد السرمدي الأزلي…

أما العنصر الثاني، عنصر"الكاليغرافية"، فيبقى أحد تجليات شغفي بمصالحة شكل النصوص بمضمونها. وعلى ضوء ذلك،  فقد افتتح نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" بمحاولة للمصالحة بين شكل العرض ومضمونه بحيث نلمس عند بداية النص "رسما كاليغرافيا" لمثلث مقلوب، رمز تصحيح هرمية غير مناسبة، بحيث تبدو قاعدة المثلث في الأعلى والرأس في الأسفل  يصبح معها النص الشذري المكتوب داخل المثلث المقلوب كسهم يشير لجهة الدخول للنص.  أما النص الشذري المكتوب داخل المثلث فلم يكن غير الشعارات المكتوبة على السبورات الحديدية الراسية على جانبي الطريق لاستقبال الزوار من السائقين خلال دخولهم "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" كما نقرأ هنا:

"من أجل مدينة حجاج بدون دور صفيح في أفق 2999"،

" من أجل مدينة حجاج بدون رشاوي في أفق 2999"،

" من أجل مدينة حجاج بدون بطالة في أفق…"،

" من أجل مدينة حجاج بدون سجون في…"،

" من أجل مدينة حجاج  بدون …"

" من أجل..."

"…"

(مقتطف من نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" عن المجموعة القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 25)

وتضيع الشعارات  عند نهاية المثلث المقلوب مع بداية ضياع السارد في هده المدينة العجائبية، "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"…

أما بالنسبة للعنصر الثالث من العناصر الأربعة المهيمنة على النص فيبقى عنصر "القصر" سليل ثقافة "المينيمالية" لكن استثماره في النص كان لغاية فنية تتقصد تضمين الموقف في الشكل من خلال قلب مفهوم "العظمة" و"الأسطورية" و"الجلال" التي قد يتوقعها القارئ منذ أول وهلة من خلال قلب الحجم المتوقع ومن خلال قلب أشياء أخرى كثيرة…

أما العنصر الرابع، "التكرارية الوظيفية"،  فيبقى أداة أسلوبية أثبتت فعاليتها على مر تاريخ الإنتاج الرمزي عموما. ونجاعة "التكرارية" رهينة بالسياق العام الذي تشتغل فيه:  فالتكرارية في المدارس تفيد التلقين وحفر المعارف في ذاكرة المتعلم، وفي السيرك تفيد التكرارية الترويض لتعويد الحيوان المتوحش على صفته الجديدة كخديم للفرجة والتسلية، وفي خطابات الوعظ تتقصد التكرارية التهييج والتحريض والتثوير، أما عند الصوفية فتساعد تكرارية الإيقاع والحركة والتسبيح على تجميد العقل قصد السمو بالروح على خلفية أن السمو بأحد القطبين، العقل والروح، يقتضي تجميد الآخر...

ولدلك، أعتقد أن  وظيفية تكرار عبارة "الحجاج بن يوسف الثقفي" اثنين وعشرين مرة (22 مرة) في نص "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي"، أو "مدينة الحاكم المطلق" كما سماها البعض،  تنهل رمزيتها من الوظائف المذكورة آنفا.

سؤال: يشكل الوصف أحد المكونات في لتجربتكم السردية، غير أنه في كثير من القصص لا يضطلع بوظيفة المحفزات بل بوصفه من الثوابت الأساسية لعوالمكم السردية، هل يتعلق الأمر باشتغال على اللغة؟

جواب: مجموعتي القصصية "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006 تفتتح موادها القصصية بشهادة حول فلسفتي في الكتابة القصصية. فعلى الصفحتين السادسة والسابعة يمكنك قراءة الفقرة التالية:

" قارئ أعمال الروائي الأمريكي أرنست هيمنغواي يستطيع بسهولة رصد أسلوبه المتميز بجمل بسيطة قد تطول أحيانا بسبب ميله الظاهري لاستعمال "واو العطف". والمتتبع لأعمال الأديب والفيلسوف الفرنسي ألبيرت كامو يقرن بين الرجل وأعماله وجمله القصيرة جدا. والمقبل على روايات الكاتب الأمريكي ويليام فولكنر يستعد مسبقا لقراءة جمل  طويلة متحررة من قيود القواعد والخوف من ارتكاب الأخطاء مادامت مجرد أفكار في رؤوس الشخوص الروائية…

السائد، إذن، هو أن الأسلوب هو الرجل. لكنني أعتقد أن نصوصي ضد النمطية، ضد كل أشكال النمطية. فالنص هو ما يجب أن يحدد الشكل القصصي، أي أن يكون الشكل الفني منسجما ومضمون النص: ان يكون للنص هوية في ذاته، لا أن يكون الشكل دلالة على هوية خارجية هي هوية كاتبه.

التقنيات والطرائق الأسلوبية والسردية يجب أن تنبعث من رحم النص الإبداعي، لا أن تفرض عليه من الخارج. لكل نص شكله الخاص وأساليبه الخاصة وطرائقه الخاصة."

 (مقتطف من الشهادة المنشورة في مستهل أضمومة "موسم الهجرة على أي مكان" الصادرة سنة 2006، الصفحة 6-7)

أعتقد أن الثابت الوحيد في كتاباتي هو هاجس البحث عن الشكل السردي المناسب لمضمون النص السردي وأحيانا ثانية هاجس إيجاد المضمون الحكائي المناسب لشكل قصصي يريد التحقق. لهذا، فالوصف والحوار والسرد والشخوص والفضاء والزمان والمنظور والأسلوب واللغة ليست ذات قيمة في حد ذاتها. إنها تستمد قيمتها من وظيفتها داخل البنية العامة للنص. ففي الوقت الذي يهيمن فيه الوصف على نص "كلاب" الذي يُعْرَضُ على القارئ بواسطة "عين الكاميرا التصويرية"،  يسيطر  الحوار على  نص "شيخوخة"، بينما يبقى السرد سيد الموقف في نص "الحياة بالأقدمية"، في الوقت الذي يتحكم في الزمن في رقاب مكونات نص "الأبدية"…

المزيد


الشاعر عبد الرحيم الخصار ل"القدس العربي"

مارس 27th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , مبدعون مغاربة يتحدثون

ما يأتي من هناك يكون أعمق لأنه بعيد عن ضجيج الحداثة وأوهامها..
أعيش على مقربة من الأرياف؛ لذلك ستجد في نصوصي ما يوجد أصلا حولي، أحب الانتباه إلى الأشياء القريبة مني؛ لا أحب الشعر الذي يعج بالمجرد والبعيد وغير الممكن..

 

حاوره عبد العزيز الراشدي

 عبد الرحيم الخصّار شاعر مغربي ؛ لكن هل يوضح وصف كهذا الصورة كاملة؟ أم يرمي بنا في التباس يعززه التباس الأدب وهروبه، حيث تبدو سهلة جدا كلمة شاعر بفعل الألقاب السهلة وتتخبط المفاهيم ويصعب أحيانا إيجاد هذا الشاعر ..
رجل يكتب بحاسة سادسة هي إحساسه المرهف بالعالم، حيث يمكن أن نجد في نصوصه بسهولة مكانا لفراشة أو نملة بنفس القدر الذي نجد به مكانا لديناصور..فهمُّ الشاعر أيضا، في سياق هموم كثيرة، أن يساوي بين كائنات العالم وينظر إليها بنفس المنظار، وأن يصوغ العوالم بحواسه، تماما كما يؤمن فرناندو بيسوا، الذي يجعل حواسه أصل الوجود والصور..ولأمر ما، فإن تلك الحاسة هي الشيء الوحيد الذي يجعل من الإنسان شاعرا، ويجعله يفرح لهذا الاكتشاف، وكأنه بذلك يعيد اختراع البارود..
يقضي نصف وقته في الغرفة يكتب نصوصا شعرية بعناية خاصة ويعد مقالاته بانتطام لبعض الجرائد، يقضي بقية الوقت يشرب الشاي، يصغي للأغاني القديمة، فهو مهووس كبير بنجاة الصغيرة وعبد الوهاب ومحمد الحياني، ومهووس أكثر بمحبة أصدقائه..
عبد الرحيم صاحب حس مرهف، لغة أنيقة، مترابطة مثل حبات المسبحة، سارد بامتياز وصاحب قلم يستطيع وصف الأشياء، وماكر طيب أيضا لأن وظيفة الأديب أن يكون مخادعا، يكتب في صحراء مثل برنار نويل، ويصنع عالمه ويرتاح له ولا ينظر خارجه مثل بيسوا، لكن الانضباط لهذا العالم لا يعني الانغلاق بتاتا بل هو نوع من عناق السكينة..يحيك لغته وصوره مثل الماغوط، ومثل ايتيل عدنان؛ يعيد انتاج القيم ويعطيها أسماء خاصة كأنما لم توجد من قبل.. بالمحصلة، نصوص عبد الرحيم الخصار تحاول رسم وجود مواز للعالم وكأن الشعر نزل للتو..
في قريته جزولة، أو في مدينة الجديدة حيث كان يُدَرّْس، وفي الطريق بينهما على الأرجح، حيث تفسح الحياة المجال أمام الصور، ويبدل صاحب الطاكسي الشريط مرتين، وتصطف الأشجار كجنود أمام الجنرال، تختمر الاختلاجات الأولى لقصائده..  

صدر له ديوان أخيرا وصل الشتاء عن منشورات وزارة الثقافة، سنة 2004، وصدرله أيضا ديوانه الثاني أنظر وأكتفي بالنظر عن دار الحرف نهاية 2007، الذي ضم نصوصا جديدة بلغة وبنفس جديدين، بسبب هذا الديوان، وبسبب الشعر على الأرجح التقيناه وسألناه في البداية متى كتب أول قصيدة فأجاب:

لكنني أشم في نصوصك الأولى روائح الأدغال والحلزونات وأتذكر حكمة اليابان، متى ابتليت بإيقاع الهايكو؟
لا أخفي عليك ولعي بكل شعر يحتفي بالانسان، بمشاعره ومحيطه، الشعر الأسيوي عموما يدخل في هذا الحيز الشاسع، أحببت الهايكو – ومشتقاته - كثيرا وحاكيته وتركت أشياء منه لنفسي لم أحبّ نشرها، أحببت الشعر الكوري أيضا والايراني والهندي وأنا أقول أن ما يأتي من هناك يكون أعمق لأنه بعيد عن ضجيج الحداثة وأوهامها..إلى حد ما ؛ أنا أعيش على مقربة من الأرياف؛ لذلك ستجد في نصوصي ما يوجد أصلا حولي، أحب الانتباه إلى الأشياء القريبة مني؛ لا أحب الشعر الذي يعج بالمجرد والبعيد وغير الممكن..أنت تعرف أن كثيرا من الشعراء يتركون أشياء عظيمة قريبة منهم ويذهبون خلف سراب  يستحيل عليك أحيانا فهمه وهذه مشكلة مرتبطة أساسا بوعي الكاتب وتكوينه..

 

شعرك يحتفي بالبسيط والمهمش ولا تميل في نصوصك إلى الغموض الشديد إذ تكتفي بجمل بسيطة ألا تخاف من السقوط في فخ النثر؟
إنني أمجد النثر كثيرا وأحبه وأخلص لقراءته. أنا لا أخاف من السقوط في النثر؛ لأنني أصلا أوجد فيه.. أضع قدمي بعمق هناك، أحاول أن أكون في الشعر كما في الحياة ؛ واضحا، هناك دائما غموض خفيف تقتضيه جمالية الوضوح، ربما تذكر عزيزي ما قاله سيلين عن النثر، كان يغمض عينيه عن الشعر ليقول إن الأدب هو النثر، أنا أتفق مع سيلين، فالأدب فعلا هو النثر، أما الشعر فشيء آخر قد يكون أكبر من الأدب
 

لقد ضللت طريقك إذن؟
 إنني أشبه القاضي في رواية كويتزي في انتظار البرابرةالذي أحس في نهاية الرواية بعد تقلبات عديدة أنه ضل الطريق منذ زمن، لكنه لا يزال متشبثا بطريق قد لا توصله إلى أي مكان؛ أكتب نصوصا نثرية أعدها لكتاب مقبل
 

بمناسبة الكتابة، ما رأيك في الوضع الثقافي بالمغرب، وهل الأدب المغربي بخير؟

الثقافة بالمغرب مريضة؛ مصابة بالزكام، والزكام معد كما تعلم، الدولة عموما لا تقدم للمثقفين وللثقافة سوى ما يقدمه غني لمتسول، أضف إلى ذلك مشاكل النشر والتوزيع وغياب نظام التفرغ إضافة إلى الفراغ الكبير في حقل الترجمة والشكل السيئ الذي تنظم به التظاهرات الثقافية داخل الوطن، المشكل الأساسي هو الطريقة التي ينظر بها الجميع إلى مفهوم الثق

المزيد