إدريس علوش يرثي حذاءه نكاية في المسافات

مايو 24th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

جمال الموساوي

 

أكثر ما يشغل الشاعر المغربي إدريس علوش دفاعه عن قصيدة النثر. هو لا ينظر لهذا الشكل الشعري على أي حال، لكنه حريص على إنتاجه بكثافة لا تضاهيها سوي كثافة جملته وصورته الشعرية. ولأن المرء إذا أحب شيئا أكثر منه ومن ذكره وانشغل عن كل شيء سواه، يبدو علوش غارقا في حب قصيدة النثر، ودليلنا على ذلك أن من أهم ما يميزه وسط الشعراء المغاربة، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الثمانينيين والتسعينيين، غزارة إنتاجه في هذا الجنس الإبداعي تحديدا، وقد أثمرت هذه الغزارة حتى الآن خمس مجموعات شعرية وندفا في مواقع إلكترونية ومنابر ورقية هنا وهناك، وما هذا الحرص على الإنتاج سوي محاولة لتكريس نوع شعري اعتنقه وآمن به، وأخلص له.

وانطلاقا من هذه المقدمة المقتضبة نتلمس الطريق إلى شعره من خلال مجموعته الشعرية الثالثة مرثية حذاء الصادرة سنة 2007، بعد الطل البحري ودفتر الموتى وقبل فارس الشهداء وقفازات بدائية الصادرين حديثا.

يسعفنا ما أسلفنا في العثور على أول مفاتيح القصيدة التي يكتبها إدريس علوش، هذا المفتاح بالرغم من أنه يتعلق بالهيكل الخارجي لهذه القصيدة فإن من غير المستبعد كما سنرى أن يكون أيضا مكونا أساسيا في كتابة الشاعر بشكل عام. ويتعلق الأمر في هذا الباب بنوع من التمرد المعلن على الشكل الشعري الذي كرسه رواد التحديث في الشعر العربي، من السياب إلى آخر شاعر يحتفي بالتفعيلة كهيكل خارجي لقصيدته. ولعل هذه المسالة تفضي بنا إلى سؤال جوهري في كتابة إدريس علوش الشعرية، وهو إلى أي حد يمكن لهذا التمرد على الشكل أن يكون بمعزل عن تمرد على مستوى الأحاسيس وعلى مستوى طبيعة اللغة التي يُكتب بها الشعر العربي حاليا، وأيضا على مستوى نوعية القضايا الذاتية والموضوعية التي تشكل النسغ الذي منه يستمد الشاعر  قصيدته؟ 

ويتخذ التمرد عند إدريس علوش صورا متعددة، وأشكالا،وأيضا حالات، متنوعة مختلفة. فإذا كان أبو نواس، قد تمرد على الطلل، وعاج خلافا لسابقيه ومعاصريه من الشعراء العرب القدامي، يبحث عن خمارة البلد، فإن علوش يفعل نفس الشيء بتمرده على أنساق المعاني التي يحفل بها الشعر العربي الذي يكتب الآن، وعلى العلاقات المألوفة بين الكلمات، ليدخل فضاءات أكثر رحابة يتفتح فيها قاموسه الشعري على معان جديدة، بل على أكثر من معنى. وأكثر من ذلك قد يقف خارج المعنى أحيانا من أجل أن يصل إلى قصيدته:

أفترض

أشياء بلا معنى

ودوي العبارة يسبقني

إلى مرفأ القصيدة ص 40

لا تقف روح التمرد شعر إدريس علوش عند بوابة الشكل، ولا هي مترددة في إعلان حضورها الوافر في المعاني نفسها، لذلك لا يمكن العثور إلا على  قليل مما يشتغل عليه الشعراء المغاربة الذي ينتمون إلى نفس الحساسية. فإذا كانت التفاصيل الفردية الصغيرة هي ما يشغله في إطار المشترك الإنساني، فإنها في قصيدته تختلف عما في قصائدهم، وسنعمل على تقديم نماذج، ولو أن أول هذه النماذج هو العنوان نفسه مرثية حذاء الذي يشكل واحدة من الاستعارات الكثيرة المبتكرة التي تحتويها المجموعة بشكل عام.

وإذا استحضرنا ما كتبه ألبير كامو  عن أن الفكر المتمرد، ومعه الإنسان المتمرد، لا يمكن أن يستغني عن ذاكرة، فإن مرثية حذاء تحيلنا على أن هذا الحذاء عانى كثيرا من المشي لمسافات طويلة، وأنه مات في النهاية، ولعل الذاكرة المرتبطة بالموضوع هنا، وربما مع تأويل متعسف قليلا، هي رامبو الشاعر المشاء، الذي انتهى به المسا

المزيد


“ميريندا” لفاطمة بوزيان: قصص قصيرة جدا تكثف واقعا متخلفا

أبريل 26th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

mirinda

 

باتت القصة القصيرة جدا كشكل إبداعي تستهوي العديد من كتاب القصة القصيرة، ويكاد التوجه نحو اقتراف هذا النوع من الكتابة يشكل ظاهرة في المشهد الإبداعي المغربي، خاصة في أوساط الجيل الجديد من الكتاب.

وفي هذا السياق تواتر إصدار مجاميع من القصص القصيرة جدا، بشكل يفرض على النقد النظر فيها ومواكبتها لاستجلاء ما تنطوي عليه سواء على مستوى اشتغالها اللغوي أو من حيث مضامينها وانشغالاتها الفكرية والقيمية.

ومن بين الإصدارات الجديدة في هذا المجال، مجموعة صدرت مؤخرا ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب للقاصة فاطمة بوزيان وحملت عنوان "ميريندا". يأتي هذا الكتاب بعد مجموعتين سابقتين من القصص القصيرة (العادية).

تتضمن هذه المجموعة الجديدة 46 قصة خفيفة، لغتها في غاية التكثيف حتى إن الفارق بينها وبين اللغة الشعرية يكاد ينتفي.

وتتناول أغلب النصوص الموزعة على 64 صفحة تلك العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، الموضوع الأثير لدى القاصة فاطمة بوزيان، كما يمكن التحقق من ذلك من خلال مجموعتيها السابقتين "همس النوايا" و"هذه ليلتي". هذه العلاقة تصير أكثر التباسا عندما تضفي الكاتبة على نصوصها طابعا يمتزج فيه الواقع بالمتخيل من خلال علاقة المرأة والرجل معا بالمحيط الاجتماعي الذي يعيشان فيه، وبما يعتمل في هذا المحيط من تطورات وتحولات.

ثمة ميزتان أساسيتان تتوزعان مجموعة "ميريندا". فإضافة إلى اللغة التي تمتح من اللغة الشعرية، والانغماس في الواقع الاجتماعي المغربي بتناقضاته العديدة وهجانته وازدواجية تفكيره، وهما سمتان ترافقان الكتابة القصصية للكاتبة منذ المجموعة الأولى، يمكننا أن نعثر في المجموعة الجديدة على الكثير من السخرية، وعلى جرأة كبيرة في تناول العلاقة "المتوترة" بين المرأة والرجل. ولهاتين الميزتين تجليات كثيرة تستوقف القارئ في غير ما صفحة.

وتقوم السخرية على رصد المفارقات، عبر إخضاع وقائع حقيقية لحكم اللامنطق، لامنطق تفرضه وقائع الواقع الفعلي نفسه، فيشف عن ثغرات ينفذ منها المبدع لينسج منه كتابةٍ بقدر ما تبعث على الضحك، تبعث أيضا على نوع من المرارة الشديدة لأنها كتابة تنبع من حياة الناس، من مآسيهم ومعاناتهم، وأيضا من تناقضاتهم وأحيانا من انسياقهم ا

المزيد


«هذه ليلتي» لفاطمة بوزيان: فضول المعرفة في زمن يسير نحو التنميط

أبريل 11th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

هذه ليلتي


جمال الموساوي

 

 

تنتمي فاطمة بوزيان إلى جيل جديد من الكاتبات المغربيات،  واستطاعت من خلال نصوصها المنثورة في أكثر من منبر ورقي وموقع إلكتروني، وأيضا من خلال مجموعتيها القصصيتين أن تنحت لها مكانا متميزا في المشهد الإبداعي بالمغرب، وأن تفتح للقصة  القصيرة فيه الكثير من الآفاق المختلفة، في ما يتعلق باللغة وطرق السرد  ومعالجة شتى الإشكالات التي تضطرم في الواقع، تستعين في ذلك بحسها كامرأة في مجتمع يميل أكثر إلى يكون ذكوريا بالرغم من مظاهر التحول، كما تستعين بوعيها بهذه المظاهر لتجعل من الحياة أمرا إشكاليا ينبغي قبولها ورفضها في نفس الوقت.

 

وقد صدرت لها ضمن منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب مجموعتها القصصية الثانية، حاملة عنوان «هذه ليلتي»، بعد مجموعتها الثانية «همس النوايا» الصادرة سنة 2001.  وطبيعي أن المسافة الزمنية بين العملين لا بد لها أن تترجم النضج الذي يمكن ملامسته في المجموعة الجديدة، سواء على مستوى اللغة التي أصبحت أكثر جنوحا نحو الاقتصاد والجمل القصيرة التي تخلصت من الاستطراد، وتحولت إلى لقطات وصور باعثة على لذةٍ للقراءة عالية جدا، وكذلك على مستوى طرق المعالجة لمواضيع تمتاح من المجتمع ومن الواقع وما يعتمل فيه من صراعات وتناقضات وتحولات.

بهذا تكون قصص فاطمة بوزيان في «هذه ليلتي»، بالضبط بمثابة تلك الشبكة التي تحدث عنها إيتالو كالفينو في «ست وصايا للألفية القادمة»، حيث تتشابك فيها «الصلات بين الأحداث والناس وأشياء العالم» (1) .

إن القاصة وإن كانت تستقي مادة كتابتها من الواقع بشكل جريء يكشف عوراته، ويعرضه سافرا من كل الأقنعة، فهي تفعل ذلك مستثمرة أيضا ثقافة واسعة، ومعرفة وافرة بالتحولات التي طرأت على هذا الواقع، وحولته إلى مسخ، على شاكلة غريغوري، تلك الشخصية التي نحتها كافكا في روايته «المسخ».

 تنسج القاصة لشخصياتها مسارات وسط المفارقات والتناقضات في مجتمع  ذكوري إلى حد بعيد، خاصة وهي تكتب «قصة نسوية»، بمعنى أن المرأة - مطلقا- تشكل الشخصية المحورية في المجموعة بدءا من الإيحاءات التي يوحي بها العنوان نفسه «هذه ليلتي»، تلك الليلة المحاطة بالكثير من الهالات الأسطورية والطقوس التي التي يتقاطع فيها ما هو نفسي واجتماعي وديني وخرافي.

وحين تدفع فاطمة بوزيان بشخصياتها إلى العيش على إيقاع الاصطدام بالتكنولوجيا الحديثة، الإنترنت على سبيل التحديد، مع ما تفتحه هذه التكنولوجيا من آفاق أمام الشخصية للتفرد والحفاظ على خصوصياتها في صناديق أسرار مفتاحها كلمة سر، لا يمكن إعداد نسخة منها، فهي تفعل ذلك لتضعها في قلب المفارقات وفي خضم نوع جديد من القيم أساسها النزوع إلى عزل الذات في ذاتها. تقول الساردة في الصفحة 15 «علبها الالكترونية أيضا محروسة بكلمة السر، أجرب اسمي، اسمها، مرتبا، مبعثرا، مقلوبا، اسم عطرها، تاريخ ميلادها، اسم الشارع، اسم المدرسة، لعبتها المفضلة، السنة الهجرية 1426 والميلادية. . .  تصر العلبة على خطأ كلمة السر اللعينة».

هذا الاصطدام بالتكنولوجيا، يعمق المفارقة بشكل عنيف.  ويضعنا في عمق قضية قديمة، تتعلق بالمواجهة بين ما هو تقليدي وما هو حديث، سواء كانت هذه المواجهة في أشكال السلوك أو في العلاقات الاجتماعية، حيث الميل أكثر فأكثر إلى الانغلاق على الذات ومحاولة تأمل ،اكتشاف العالم من بعيد، بعد أن صار من المتعذر على الشخصيات القصصية أن تجد أجوبة شافية عن أسئلتها المؤرقة لدى المحيطين بها.

يظهر هذا الصراع أقوى عندما يتعلق الأمر بالمرأة.  المرأة التي تظل كائنا من درجة دنيا، من خلال أحكام مسبقة بالضعف والقصور، جسما وعقلا.  هذه الأحكام تؤدي إلى حظر بعض الأشياء عليها وإلى منعها من معرفتها، بحيث لا ينبغي لها أن تصل أو تتجاوز درجات معينة ومُقَدَّرة من المعرفة والإدراك، وهو ما نقرأه عندما تقول الساردة في الصفحة 36 «أنت بنت لا يصح وجودك هنا، اذهبي إلى أمك».

إن محاولة الإبعاد هذه لا ترمي فقط إلى دفع الطفلة الصغيرة خار

المزيد


“مذكرات زهرة الاوكاليبتوس” لخلات أحمد

أبريل 5th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

البحث عن الفرح في قشرة سميكة من الألم

جمال الموساوي

 

كيف يمكن للشعر أن يتحول إلى كتابة سردية دون أن يتخلى عن نفسه؟ أو بالأحرى كيف يمتطي الشعر مركب السرد دون أن يغرق في المياه العميقة للغة النثر الخالص؟

كان هذان السؤالان أساسيين بحثا عن مدخل يسمح بالولوج إلى "مذكرات زهرة الأوكاليبتوس" الديوان الثاني للشاعرة الكردية خلات أحمد. أكثر من ذلك يظل هذا الديوان الصادر عن دار أزمنة في الأردن سنة 2006 على ذات الإغراء بالقراءة، الذي يمكن الإحساس به عند أول لقاء به.

تبدو مأساة الأكراد كما لو أنها التحمت التحاما كاملا بالشاعرة. بالجسد وبالحواس بشكل يوحي بأن الأرض هي التي تكتب الشعر وتسرد المأساة. ولعل في الاحتفاء بالطبيعة وعناصرها، وبالأمكنة وأهلها، ما يمنح الانطباع بأن هذا الاحتفاء هو احتفاء بالأرض، وأيضا بأن الذات تكتب سيرتها في هذه الأمكنة وتشعل حنينها إلى منازل الروح والجسد، وتسرف في شجن الفقدان:

"إذا مررت بالجرف المجاور

توقف قليلا

التفت إلى الظبية الذبيحة

تنفس قريبا منها

قد تشم رائحتك

تفتح عينيها

وتراك

قبل أن تمضي". ص 40

هذا الاحتمال الموحي بالترقب وبتوقد شهوة الكائن "قد تشم رائحتك"، والتسليم في النهاية بالفقدان "ٍقبل أن تمضي"، يفتح باب المأساة الداخلية للذات، ويفتح في نفس الوقت شهية الكتابة التي تنحو شيئا فشيئا إلى صهر هذه الذات بالأرض، وتحويل المأساة من فردية خالصة إلى مأساة أكبر من ذلك هي مأساة كردستان كلها. كردستان الباحثة عن منقذ، هو الحبيب الذي تكرس الشاعرة حواسها للبحث عنه في عمق سحيق داخلها.

تكتب خلات أحمد شعرا يجعل من خلجات الدواخل وقودا لكل شيء. من انتظارات العاشق إلى انكساراته، ومن البحث عن اللذة إلى الغوص في بحر الحنين. ومن ضجر المنافي إلى النهر والناس والأمكنة في أرض الكرد. هكذا تكون القصيدة المتأرجحة بين الشعر والسرد مفتاحا لقراءة سيرة الذات وسيرة الأرض معا. وما التماهي، مع الأرض، الذي كتبت به الشاعرة نصوصها إلا أفق للتأويل، وللبحث عن المشترك بين الأرض وبين الأنثى. الأنثى تنتظر التي العاشق، والأرض التي تستدرج الغمام والنهر. وفي كلتي الحالتين ثمة خصوبة منتظرة. خصوبة يغذيها الحب من جهة، ومن أخرى يعمقها الألم.

ولأمر يتعلق بالذكاء وبالفراسة التي يتمتع بها الشاعر عادة، لم تمض خلات أحمد في سرد المأساة الكردية، ولم تعلن عن انتمائها للأرض منذ البداية، وإنما توسلت للوصول إلى ذلك مسارا شخصيا تسامت فيه الذات أحيانا، وانكسرت أحيانا أخرى، في ما يشكل تحولات الكائن الباحث عن منفذ في العتمة. ولم تجد سبيلا لذلك سوى استدراج الحواس للبوح، ولكتابة الحب الذي يبدو في المجموعة كما لو أنه يمرق من بين أصابع الشاعرة، لكنه لا يبرح قلبها:

"قانية

كانت أزهاري هذا العام

موسمي زاخر

أفلا تمر من هنا؟

لأبذل لك حباتي

حلمة، حلمة

كم ذراعا تود لو يكون لي؟

لأضمك بما يكفي". ص 8

إنه البحث عن المفقود، عن النصف الذي انشطر عن الجسد كما في الأسطورة. وفي هذا  السفر الطويل والمتعب بحثا عن الحبيب، يكون على الشاعرة أن تتسلق درجات الكتابة في لغة جل معجمها مستقى من الطبيعة ومن عناصرها كي تصل ليس إلى العثور أخيرا على هذا الحبيب الذي كلما اقتربت منه ابتعد "أنت لن تتركني في البكاء هذه المرة أيضا وتمضي، أليس كذلك"، وإنما لتصل إلى الأرض وإلى الناس والنهر والأشجار.

هذا المسار الذي قطعته الشاعرة  أفضى في النهاية إلى الانغماس في المأساة بشكل كامل، وإلى أن تمتزج المشاعر جميعا حتى لا يعود هناك فرق بين الألم والفرح، وبين الحب والعذاب، هذه المتناقضات أو الثنائيات الجدلية التقليدية باتت متعايشة وكأن قدر الكرد الموجودين في "مذكرات زهرة الأوكاليبتوس" وفي الأرض المعلومة أو في الشتات هو أن يقضوا العمر باحثين عن الفرح في قشرة سميكة من الألم.

تستحضر خلات أحمد في مجموعتها انطلاقا من الجزء الثالث الذي يحمل عنوان "الزيزفون المائل علينا بضوئه" أمكنة وأشخاصا وأحداثا وعبقا لذكريات عديدة حيث تفتح جراب الذاكرة، ليصبح الشعر شهادة وسيرة للبشر وللأ

المزيد


"شاهدة على يدي" لعلي العلوي: الذات تكتب حزنها الخاص

يناير 6th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

جمال الموساوي

 تنضح المجموعة الشعرية الثانية “شاهدة على يدي” للشاعر علي العلوي، بخطاب ضاج بالفقدان. الاسترسال في قراءة نصوصها الواحد تلو الآخر هو توغل في بحر كامل من ألم الفقدان، فلا يكاد القارئ ينتهي من قصيدة ويشعر بأنه سيتنفس هواء آخر مختلفا، حتى يجد نفسه من جديد في لجج الحزن. حزن شفيف يشي بذات ممتلئة رهافة، وهشاشة أيضا، في مواجهة الألم.ومنذ العنوان “شاهدة على يدي”، ولعله  اختزال موفق جدا للمجموعة ولأجوائها بشكل عام، لا ينقطع خيط الحنين إلى شيء ما، وإلى شخص ما، وتطفو الذكرى ، إما صراحة أو تورية من خلال صور شعرية، لتغمر أجواء القصائد، وتدفع إلى التأمل في هذا الحزن البسيط إنسانيا، العميق شعريا، فيغدو القارئ المفترض أنه شخص ينظر إلى النص بنوع من الحياد، طرفا ومتورطا في تلك المشاعر التي تعتمل في النصوص.

123121

يتكاثف الفقدان وألمه، والحزن وتجلياته، حتى لتبدو الحياة حزينة كلها، ولم تفلح العديد من الصور التي جاء بها الشاعر محاولة منه في التخفيف عن ذاته أولا، في لجم كثافة الألم وشدته.

وإذا شئنا أن نحدد نوعية القاموس الذي تمتاح منه مجموعة “شاهدة على يدي”، قلنا إنه قاموس يغلب عليه الشعور بالفقدان وبنوع من الاغتراب، والعزلة أحيانا، في غياب هذا “الفقيد”، سواء كان الفقيد شخصا أو مكانا أو حلما، أو فترة من العمر،  أو أي شيء آخر:

دعها

فإن الصمت أنطقها

وأنطق قبلها

هذا الأنين،

دعها

ولا تجعل لها شبها

مهما تجعد وجهها

أو هدها الحنين

هكذا يختلط  الفقدان بالأنين، ويتشابك معهما معا الحنين إلى “أرض الميلاد”، وهو ما يشي أن الذات تعاني غربةً، وأنها تنزف من الألم توقا إلى الأرض التي تتخلى في العديد من المواقع عن هذا الكلمة الجامعة الشاملة لتتحول إلى بقعة أصغر هي الوطن، والوطن كلمة تحمل الكثير من الشحنة العاطفية، لأن الوطن هو الانتماء الذي يمنح الكائن هويته، ويحدد موقعه في هذا الكون الشاسع، ويمكن أن نستعير هنا كلاما من كتاب سياسي لجوزيف شتراير عنوانه “الأصول الوسيطة للدولة الحديثة” يقول فيه ” إن أفظع ما يمكن معرفته في العالم الراهن هو مصير من لا وطن له. إن “الشخص الذي لا بلد له”،الذي تحدث عنه هايل، موجود بالتأكيد في أيامنا وشقاؤه يتخذ أشكالا لم يكن باستطاعة هايل تصورها. وقد أصبح ممكنا الاستغناء عن الطرق القديمة لعثور المرء على هويته داخل مجتمع ما، إن شخصا بدون عائلة، وبدون مسكن ثابت وبدون انتماء ديني يمكن أن يعيش حياة مكتملة بصورة كافية، لكنه بدون دولة ليس شيئا، وليست له أي حقوق ولا أي أمن ولديه قليل من الفرص لممارسة سيرة مهنية نافعة”. إن الحنين الأكبر في مجموعة علي العلوي هو حنين إلى الوطن، أكان الوطن متخيلا، كأن يكون الشعر مثلا، أو حقيقيا كأن يكون البلد الذي ينتمي إليه أو المدينة التي ينحدر منها، أو ببساطة مسقط الرأس حيث رأى النور:

الطريق إلى كفني

بارد، ومحاط بوشم الدماء

والطريق إلى وطني

حالك كالمساء

لنتأمل كيف يقترن الطريق إلى الكفن بالطريق إلى الوطن، وكيف يتضافر الموت والظلام على الشاعر كي يبثا الحزن في ذاته ويعصراه من الألم. كأنه يعبر من الموت إلى الموت، من موت حقيقي إلى موت معنوي يغذيه “وطن شرد الضرع والزرع والأصدقاء”، فيحول الشاعر إلى كائن حالم:

أريد أن أنام

كي أصحو طوال الوقت

فأعبر المدى من الموت إلى الموت

وأشفي قريتي من زلة اللسان،

فهل أنا صاح هنا… أم نائم

لا يعرف الصمت من الكلام؟

يبني الشاعر صوره الشعرية من لغة غاية في البساطة، تبدو كما لو أنه يكتب بتلقائية، تاركا لشعوره الحرية في أن ينكتب على حاله، وكأنه يمر إلى القارئ مباشرة

المزيد


«مقابر مشتعلة» لأحمد الكبيري رواية تقاوم تبدل القيم

ديسمبر 20th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

جمال الموساوي

  

 

لا تتوخى هذه المقاربة البحث في الوظيفة الفنية للرواية من خلال رصد المظاهر اللغوية وأسلوب بناء الحكاية، فقد يكون ذلك موضوع قراءة أخرى مستقلة. إن منطلق هذه القراءة، إذن، هو اعتبار العمل الروائي، أو الأدبي بشكل عام، حاملا لرسالة، أو  لخطاب محدد يرمي الكاتب إلى تمريره، وقد يكون هذا الخطاب موقفا معينا من قضية ما، كما قد يكون قناعة إيديولوجية أو فكرية أو سياسية يهدف إلى إيصالها للقراء.

وتتضمن هذه الرواية العديد من الأحداث، ومثلها من المواقف التي أنتجتها ديناميتها، وتطور الحكايات وتشعبها، بحيث لا يخطئ المتأمل في القول إن العمل برمته، إضافة إلى بنائه القائم على توليد حكايات فرعية ضمن الحكاية الأساسية، بشكل يذكر ب»ألف ليلة وليلة»، هو عبارة عن مواقف يتداخل فيها السياسي والاجتماعي والإنساني. ومن هذه الزاوية تحديدا تحاول هذه القراءة رصد جملة من المواقف، وربما من القيم، التي حاولت الرواية الدفاع عنها، وتبنيها إن اقتضى الأمر.

مجتمع بدون مساحيق  

«مقابر مشتعلة» هو العمل الثاني للروائي أحمد الكبيري، بعد عمله الأول« مصابيح مطفأة». وقد خرج العمل الجديد من رحم الأول، هو امتداد له بشكل ما، بالرغم من أنه من الممكن قراءته كرواية مستقلة مكتفية بذاتها. لكن الذين قرؤوا المصابيح لا بد أن يقوموا بهذا الربط دون أن يكونوا متعسفين.

فسواء تعلق الأمر بالشخصيات الرئيسية (المحجوب، إيزابيل، العنطيز…) أو بفضاء الأحداث الرئيسي (مدينة وزان) أو بنوعية الصراع الذي يتولد عبر مسار الأحداث الروائية فإن «مقابر مشتعلة» تشتبك في الكثير من اللحظات والمواقف ب«مصابيح مطفأة».  

ولعل هذا الاشتباك هو ما يعطي في نظري إمكانية قراءة هذا العمل باعتباره رواية مستقلة، بعبارة أخرى نجد الرواية الأولى حاضرة في الثانية ولكن بشكل مضمر يستشفه قارئ العملين، لكن لا يمكن لقارئ العمل الثاني وحده أن يشعر بأن هناك نقصا ما أو أن الرواية امتداد لرواية أخرى، وبالتالي فإن الطريقة التي كتبت بها، كان فيها من الذكاء والحبكة والحنكة الروائية ما أعطاها استقلاليتها، وفي نفس الوقت، لمن أراد أن يتصورها كذلك، جعلها امتدادا لجزء أول. وقد نجح الكاتب في الحالتين.

122977

 

من الصعب في كل الحالات الإحاطة بكل ما يعرج في «مقابر مشتعلة» أو بكل ما يمكن أن يخرج منها في قراءة واحدة، لأنها جمعت من كل شيء تقريبا، فكأننا أمام المجتمع عاريا من كل المساحيق.  فالرواية تقدم عينة تمثيلية،  بلغة الإحصاء، حيث نجد الأسوياء والشواذ،  والخرافة والعلم، والروح الانهزامية والأخرى التواقة إلى البقاء عاليا، كما تصور تحول العلاقات في مجتمع منخرط في سياق عالمي فيه الكثير من الحركة والدينامية، وأكبر عيب للمجتمع في هذا السياق هو انه غير فاعل بما يكفي أو غير فاعل بالمطلق، وإنما هو مستهلك بشكل سيء ، والتحولات التي يعرفها هي في الواقع تحولات مفروضة، ولا يد له فيها.  

هذا الزخم، إذن،  يجعل من الصعب القول بأنه من الممكن إنجاز قراءة وافية لهذا العمل الروائي المنتقد الساخر الهادف إلى وضع الأصبع على قضايا عديدة في نفس الوقت،  لكنها قضايا تلتقي في ضرورة إعادة الاعتبار للإنسان )الإنسان المغربي في الرواية، ورفع التهميش عنه وعن الطاقات الكامنة فيه،  بما يعيد إليه حريته في التفكير والمبادرة والانطلاق، وتمكينه من اعتناق أحلامه بالشكل الذي يريد، بعيدا عن التأثيرات الخارجية،  والوصاية التي تحوله إلى كائن هجين ومدجن.  

انطلاقا من قضية الهجانة هذه، والحرية التي ينبغي أن يستعيدها الإنسان المغربي استوقفتني في «مقابر مشتعلة»  قضيتان بدتا لي أساسيتين وجوهريتين، بل أكثر من ذلك متلازمتين، ربما.  

هناك في العالم اليوم، وفي المغرب باعتباره جزءا من هذا العالم، مفردتان أصبحتا تطرقان يومَّينا بشكل دائم. ويتعلق الأمر بالتسامح من جهة، وبالإرهاب من جهة مقابلة، وذلك بالنظر إلى التجاذبات التي تولدت داخل سيرورة تاريخية، ووصلت إلينا في زمننا ولحظتنا بشكل حاد وقاس.  

وإذا كان المغرب قد عاش خلال فترات سابقة أحداثا مأسوية ساهمت فيها أجهزة الدولة بالقسط الأوفر، وهي تحاول الآن طي صفحتها، كما ساهمت فيها أيضا تيارات فكرية ربما كانت بذورا للتطرف، فإنه الآن أمام خطر أكبر ، لم يعد ذا طابع محلي،  بل صار ذا أبعاد عالمية و لم يعد ينطلق من هنا، بل تغذيه أفكار وافدة.  

والروائي أحمد الكبيري، إذن،  من باب التفاعل مع الواقع، و من باب الوعي بالقضية وبضرورة طرحها، لم يفته استعراض تلك العلاقة التي جمعت خلال زمن طويل المغاربة، من المسلمين واليهود، كما لم يفته النظر في تنامي الفكر المتطرف في المجتمع. إن مثل هذا التفاعل الإبداعي مع الواقع هو ما يمنح الكتابة عموما مشروعيتها،  و صلاحيتها للمستقبل، حيث إنها تصبح غير حاملة لتاريخ انتهاء صلاحية استهلاكها، ولعل هذا ما يشيرإليه ألبير كامي عندما يقرن الحرية بالثقافة، أي عندما يقول« من دون ثقافة وما تعنيه ويقترن بها من حريات، يغدو المجتمع غابة، حتى وغن بدت صورته كاملة. لذلك فالإبداع الأصيل هبة للمستقبل».  

العالية صورة يهودية مغربية

 

أولا هل هي المصادفة أن يقع المحجوب في حب إيزابيل دون أن يعلم أنها منحدرة من أصول يهودية مغربية، أم أن الكاتب، بدافع الوعي الذي أشرنا إليه، تعمد أن يمنح واقعة الحب إمكانية الحدوث، وجعلها ذريعة ليقدم من خلالها صورة للانسجام الاجتماعي الذي ظل على امتداد عصور طويلة واقعا ملموسا بين المسلمين واليهود في المغرب، وذلك قبل أن تظهر الحركة الصهيونية بعدوانيتها وعنصريتها، وقبل أن يعيش العالم العربي والإسلامي على إيقاع ردود فعل تجاه هذه الحركة، مما أودى بالتعايش بين المسلمين واليهود،  سواء في المغرب أو في أي مكان آخر، وجعل هذا التعايش مستحيلا، بل حوله إلى تناحر مزمن، خاصة في ظل ما مارسته وتمارسه إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني.  

يقول المحجوب، السارد والشخصية الرئيسية في الرواية، وهو يتحدث عن العالية، اليهودية المغربية، في الصفحتين 18 و 19 « ولما دخلت إلى حيث كانت تسكن، انتابتني دهشة عظيمة. بقيت مدة طويلة وأنا لا أكاد أصدق أن اليهود في الملاح كانوا يعيشون قهرا أكثر من ذلك الذي كنا نعيشه نحن في أحيائنا الشعبية البئيسة.  بيتها كان داخل فندق بالملاح، إلى جانب بيوت أخرى، يقطنها يهود آخرون، وبعض المسلمين البؤساء المعدمين، تدخل إليه عبر سرداب شديد الرطوبة كمغارة. سرداب مطلي بنيلة زرقاء  قاتمة تكلست طبقاتها على الجدران، وتهب عليك وأنت تخترق تلك الأجواء الخرافية عطانة جديرة بأزهار كل الفصول لطردها من خياشيمك… لا أعتقد أن أحدا من ساكني تلك البيوت كان يعيش بحاسة شم سليمة…». في هذه الفقرة نكتشف أن العلاقة بين المسلمين واليهود لا تقتصر فقط على التعامل الاجتماعي، بما فيه من تجارة وجورة وغير ذلك، بل تتعداه إلى تشابه كبير في نمط العيش، وسواء تعلق الأمر بالقهر والفقر أو بالمنازل وزينتها فإنه لا جدوى من البحث عن فوارق بين الطائفتين، بل إن السحنات هي نفسها، وكذلك الملابس لا تختلف. والرواية تريد أن تشير هنا إلى أنه لا يمكن الحديث إلا عن إنسان مغربي، بعيدا عن أي لقب أو انتماء.  

ولعله من المفيد الإشارة في ذات المقام إلى واقعة العالية التي تصرفت بدافع إنساني محض مع المحجوب، فبالرغم من القهر الذي تعيشه امتد قلبها بالرغبة في خياطة قميص جديد له لأن القميص الذي يرتديه أصبح باهتا وباليا. هذا الموقف هو ما يمكن أن يصدر عن قلب أي مغربية أخرى مسلمة تجاه طفل ما، بغض النظر عن انتمائه وانتماء أبويه. لكن هذه العلاقة التي تعمل الرواية على استعادتها من ذاكرة المحجوب اعتراها الكثير من التبدل في الوقت الحاضر، واتخذت منحى واحدا هو منحى الصراع والتناحر، بعد أن لم يعد الإنساني هو المتحكم في سير التاريخ ، وإنما السياسي القائم على الأطماع والرغبة في السيطرة والإخضاع. وعندما يدفع الكاتب ببطله المحجوب إلى الوقوع في حب إيزابيل، فهو إنما يفعل ذلك، سواء أكان عن وعي أو عن غير وعي، لما للحب من سطوة ( مع ما ينطوي عليه هذا الحكم من مثالية) وقدرة على إخضاع

المزيد


'كأعمى تقودني قصبة النأي' لمحمد حلمي الريشة: العزلة التي تبهج الإبداع

نوفمبر 23rd, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

 
جمال الموساوي


 


سأصرخ في كعب خروجك المفاجئ
- بكل ما أوتيت من قوة وهن -
ألملم ما تساقط من إيقاعاته الساكنة
على
جفاف الصدى
ثم لا أثر إلا لرائحة مجازك في مزاجي،
ثم…
لا أثر لي
هكذا تتماهى الأنثى والقصيدة في الديوان الجديد ‘كأعمى تقودني قصبة النأي’ للشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة. وتدِقُّ المسافة بينهما حتى لا يجد القارئ فرقا واضحا. القصيدة تغوي الشاعر بما لديها من فتنة، والأنثى تلوِّح به في ملكوت الرغبة المتعددة.
وفي الحالتين، سواء تعلق الأمر بالقصيدة أو بالأنثى، يجد الشاعر نفسه منغمسا في لغة شفيفة مليئة بالإيحاءات التي تصير أحيانا بالغة الوضوح، بحيث لا يكون ثمة مجال للمواربة والتوريات فيأتي الخطاب مفعما بحمولتين معا. حمولة المجاز الذي يشي بأن ثمة وراء الكلمات ما لم يقل، وحمولة المعنى المباشر أو الدلالة القريبة بحيث يعلن الشاعر عن كل الشبق
richa
الذي يسكن القلب قبل أي شيء آخر.
وإذا كان من صفات الأنثى التمنع، فمن شيم القصيدة المروق وصعوبة القبض عليها. هذا التشابه هو بالذات ما يمنح شرعية للتماهي الذي تحدثت عنه أعلاه، ما دامت الأنثى كامرأة من دم ولحم غير حاضرة إلا من خلال ظلالها البعيدة في نصوص المجموعة. إنها حاضرة في الغالب من خلال الضمائر التي تدل على المؤنث. وتحضر من خلال القصيدة التي شكلت موضوعة أساسية لدى الشاعر في مستهل المجموعة، وتشظت بعد ذلك على باقي الصفحات متقمصة في هذا التشظي مختلف صفات الأنثى المرأة، حتى إنها اكتسبت ملامحها وصارت موضوعا ليس للكتابة ولكن للرغبة.
وإذ نتحدث عن تشظي القصيدة كموضوع شعري في حد ذاته، لا بد من ملاحظة أن المجموعة بكاملها، حتى في ما يتعلق بنصوصها المتوسطة، هي في الواقع كتابة شذرية، لا يحاول الشاعر من خلالها فقط لملمة شظايا الموضوع، بل شظايا ذاته الراحلة بلا توقف في طريق بحثه عن القصيدة المتمنعة ‘كيف يسافر الشاعر فيك، ولا يصلك أبدا’.
إن هذه السيزيفية التي يعيشها الشاعر في مطاردة القصيدة هي ما يمنحه شرعية الامتداد، بل ضرورة هذا الامتداد، وهي ما يسعفه بحياة متجددة.
هنا تصبح القصيدة مكابدة حقيقية، وبحثا عن بقاء، هو بقاء متوهم لكنه ممكن لأن كل فن، هو مقاومة للموت، كما كتب أندري مالرو، مقاومة بمعنى من المعاني، أي ربما بما هو مجال لطرح تلك الأسئلة المستعصية المرتبطة بالوجود، المادي والرمزي معا. لهذا لم يكن السؤال الذي طرحه الشاعر هنا سوى تأكيد على رغبة في الاستمرارية، كما يمكن أن نستنتج من ‘ولا يصلك أبدا’، فهذه العبارة لا ترتبط بالحاضر، بل هي مفتوحة على اللانهائي ‘أبدا’، وبذلك فالشاعر، إذا صدق حدس القارئ، يعيش الأزمنة مركبة في داخله، وينتقل من الماضي إلى الحاضر وإلى المقبل من الزمن في رشاقة لغوية، وقوده شذري، يشع بحكمة حجر الفلاسفة، كما لو أنه يوزع أيامه بالتقسيط بين هذه الأزمنة:
‘أنت الطعم الذي يهبط ويعلو
أمام بصيرة الشاعر في عميق قلبه
فلا هو يصطاد،
ولا أنت تشبعينه’
لا يقتصر الأمر إذن على حالة سيزيفية فقط، بل يمد الشاعر تراجيدياه في مواجهة القصيدة المارقة إلى أقصى من ذلك وأقسى، فتبدو المكابدة مركّبة حيث تحضر في هذا المقطع حالة أخرى هي حالة تنتلوسية، نسبة إلى شخصية في الأساطير الإغريقية هي تنتلوس الذي ينهشه جوع أبدي في العالم ا

المزيد


شاعرية الضجر في «صباح لا يعني أحداً»

سبتمبر 17th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

جمال الموساوي

ينحاز الشاعر محمد حجي محمد في مجموعته الشعرية الثانية «صباح لا يعني أحداً» لنوع من الشعر أصبح يحتل مساحة كبيرة من المشهد الشعري ليس في المغرب أو العالم العربي فحسب بل في العالم. هذا النوع هو شعر التفاصيل الصغيرة التي ترتبط باليومي، ذلك اليومي الذي وإن بدا شخصياً وغاية في الخصوصية، فهو ليس كذلك بأي حال، لأن تلك التفاصيل هي تفاصيل المشترك الإنساني، تفاصيل الحياة التي تتشابه بين الكثير من الأمكنة والكائنات، وهذه التفاصيل لا تثير في العادة أي رد فعل للناس بفعل الاعتياد عليها، لكن الشاعر الذي يحوز ملكة أخرى وعيناً غير العيون، «الشاعر صاحب القصيدة اليومية المرثية المتأنية القادرة على التقاط تفاصيل دالة على جوهر إنساني» كما كتب محمود درويش في «ذاكرة للنسيان»، يظل أكثر قدرة على الانتباه إليها، وتسجيلها بما يليق بها من التأمل واللغة الجميلة، ومن السخرية أيضاً.
171sab

وإذا كان الشعر يختزل بشكل ما تجربة ذاتية - ويمكن أن نقرأ العنوان «صباح لا يعني أحداً» من هذه الزاوية- قبل أن يعممها الشاعر من خلال نشرها لتصبح تجربة كل قارئ يجد فيها ما يضيء أعماقه، فإننا نجد محمد حجي محمد في هذه المجموعة يكتب سيرتين بينهما أكثر من وشيجة وعلاقة، سيرة المكان، وسيرة الكائن الذي يعيش في هذا المكان دون أن يتمكن من التعايش معه ومع كائناته. هذا المكان حتى وإن كان معروفاً ومحدداً، فإن طقوس العيش فيه تتشابه، وطقوس العيش في أمكنة أخرى ليست قليلة ول
يست محدودة. وبالرغم من أن الشاعر تخلى عن الكثير من النهم إلى تلك اللغة التي تغترف من شهوات الجسد مفرداتها وطاقتها الشعرية، بالشكل الذي كان عليه في مجموعته الأولى «ذئب الفلوات» الصادرة سنة 1995، فإنه من الممكن التقاط العديد من الإشارات التي بدأها، منذ تلك المجموعة لكتابة سيرة هذا المكان الهامشي، الذي لا يريد أو لم يستطع الشاعر أن يتعايش معه. ففي «ذئب الفلوات» ما يوحي بالمنفى، أو بالسجن. ثمة الشوق إلى تلك المرأة التي يمجدها الخيال، وتأتي بها الاستيهامات دون أن تصلها اليدان، تماماً كما هي عادة السجناء. تلك المرأة الوحيدة المتعددة التي «تتلألأ في كبرياء الملوك»، كما وصفها في «ذئب الفلوات». وفي «صباح لا يعني أحداً» يتسنى العثور على تجليات ذلك السجن أو ذلك المنفى على بعد مسافة زمنية عن «ذئب الفلوات»، ليست بالقصيرة. كما تخلى محمد حجي محمد أيضاً في المجموعة الثانية عن الكتابة عن الحي

المزيد


جسد‮ ‬غريب أمام البيغ‮ ‬بن

سبتمبر 11th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

مع الشاعر بن‮ ‬يونس ماجن في‮ ‬مجموعته‮ «‬حتى‮ ‬يهدأ الغبار‮»

جمال الموساوي

في‮ ‬مجموعته الشعرية‮ «‬حتى‮ ‬يهدأ الغبار‮»‬1‮ ‬الصادرة عن دار أمنة في‮ ‬الأردن،‮ ‬يقدم لنا الشاعر المغربي‮ ‬المقيم في‮ ‬لندن بنيونس ماجن مفاجأتين،‮ ‬هما الاشتغال شعريا على قضايا كبرى،‮ ‬والعودة إلى مجموعة من الرموز القديمة سعيا لإعطاء نصه انفتاحا أكبر‮.‬
وتأتي‮ ‬المفاجأتان من كون الكثير من الشعر العربي‮ ‬الذي‮ ‬يكتب حاليا انخرط بشكل كامل في‮ ‬إعادة كتابة اليومي‮ ‬بلغة تحتفي‮ ‬بالانشغالات الصغيرة للشاعر‮. ‬للذات‮. ‬تلك الانشغالات العادية المرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية في‮ ‬البيت والشارع والعمل،‮ ‬والتي‮ ‬تصور تقلبات المزاج الإنساني‮ ‬تبعا للانفعالات الناتجة عن التفاعل مع الحياة‮.‬

قضايا كبرى بلغة اليومي

ومع أن بن‮ ‬يونس ماجن لا‮ ‬يحيدُ‮ ‬عن هذا السياق،‮ ‬إلاّ‮ ‬أنه‮ ‬يركب قارب الشعر ليبحر في‮ ‬أعماق نوع من القضايا الكبرى التي‮ ‬يبدو أن الشعر،‮ ‬أو كثيراً‮ ‬منه على الأقل،‮ ‬لم‮ ‬يعد معنيا بها في‮ ‬الوقت الراهن‮.‬
والشاعر،‮ ‬بهذا‮ ‬يعيد ذلك السؤال المرتبط بقضية الالتزام في‮ ‬الأدب‮. ‬الالتزام الذي‮ ‬يعني‮ ‬اعتناق خطاب نقدي‮  ‬للمجتمع وللمظاهر السلبية فيه‮.‬
وهكذا،‮ ‬تشكل قضايا من قبيل الهجرة السرية وفلسطين والعراق النواة الصلبة للمجموعة الشعرية‮ «‬حتى‮ ‬يهدأ الغبار‮». ‬وهو عنوان‮ ‬يمكن قراءته من خلال احتمالات متعددة نظرا لتعدد الدلالات التي‮ ‬ينفتح عليها بفعل دخول‮ «‬حتى‮». ‬فهل‮ ‬ينتظر الشاعر أن‮ ‬يهدأ الغبار،‮ ‬بما‮ ‬يحيل عليه من رياح وعواصف،‮ ‬وتتضح الرؤية،‮ ‬من أجل أن‮ ‬يدلُو بدلوه،‮ ‬واضعاً‮ ‬في‮ ‬اعتباره تلك المسافة الزمنية اللازمة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يقف عندها ليتأمل الحدث،‮ ‬ذلك أن الشاعر لا‮ ‬يقدم تعليقا أو تحليلا،‮ ‬وما‮ ‬ينبغي‮ ‬له أن‮ ‬يفعل،‮ ‬بل استشرافا وتطلعاً‮.‬
أم أن الشاعر سيظل رافعا صوته بالصراخ وبكتابة الشعر إلى أن‮ ‬يهدأ‮ ‬غبار المعارك الدائرة‮. ‬أي‮ ‬أن‮ ‬يلعب دوره كاملاً،‮ ‬منذ البداية،‮ ‬في‮ ‬شن حربه الخاصة عبر الكلمات وبواسطتها على بشاعات الحرب الحقيقية وفظاعاتها وكذلك في‮ ‬الدفاع عن القيم النبيلة للإنسانية‮.‬
‮«‬حتى‮ ‬يهدأ الغبار‮» ‬عنوان‮ ‬يثير،‮ ‬إذن،‮ ‬الكثير من الأسئلة التي‮ ‬لا تجيب عنها المجموعة التي‮ ‬تبدو عبارة عن قصيدة واحدة من سبعين‮ «‬فصلا‮»‬،‮ ‬تجمع بينها الخسارة القريبة من اليأس،‮ ‬والخيبةُ‮ ‬التي‮ ‬ليس لها حدود‮:‬
‮«‬سيكون الخروج من النفق أصعب بكثير وربما سيفضي‮ ‬بي‮ ‬إلى اللاشيء»ص15
هنا احتمال الخسارة أقوى‮. ‬احتمال أن تفضي‮ ‬المغامرة الإنسانية الفردية التي‮ ‬تنفتح على الجماعة‮. ‬إلى فراغ‮ ‬موجع‮. ‬ولعل هذا قريب من تلك اللحظة التي‮ ‬التقطها أندري‮ ‬مالرو في‮ ‬كتابه‮ «‬المذكرات المضادة‮»‬،‮ ‬تلك اللحظة التي‮ ‬قد تودي‮ ‬بكل شيء إلى رحاب العبث،‮ ‬حيث لا جدوى من أي‮ ‬شيء،‮ ‬فتتشابه المصائر على باب العدم،‮ ‬كتب مالرو تلك اللحظة بشكل رائق جداً‮ ‬فقال‮ «‬ماذا‮ ‬يهم دوام العدم إذا كانت مثابرة أفضل الناس لاتنال إلا أقرب الأشياء إلى الزوال‮». ‬مما‮ ‬يعني،‮ ‬من بين مايعنيه،‮ ‬أن مآسي‮ ‬الإنسان ونكباته لن‮ ‬يدخرها التيار الجارف الذي‮ ‬يأتي‮ ‬على الأخضر واليابس‮. ‬ولن‮ ‬يكون بإمكان أجيال المستقبل أن تطلع عليها،‮ ‬للعبرة على الأقل،‮ ‬وتلك خسارة مضاعفة إلى حد بعيد‮:‬
‮«‬مأساتنا ملحمة مكتوبة على ورق أصفر متآكل‮» ‬ص10
تتخذ الخسارات في‮ ‬المجموعة صوراً‮ ‬وأشكالاً‮ ‬عديدة‮ ‬‭(‬انتظرت أكثر من اللازم‮ - ‬الآن وقد ذقت شهوة التيه‮ - ‬مازلت تائها في‮ ‬فضاءات مجهولة الهوية‮ - ‬أرْكب زورقا انتهت مدة استعماله‮ - ‬كيف أسرق النار وأنا بين نارين‮ - ‬غرقى ومفقودين في‮ ‬الساحل الجنوبي‮…)‬،‮ ‬وهي‮ ‬خسارات تبدأ صغيرة وتتضخم شيئا فشيئا،‮ ‬خسارات الذات الشاعرة،‮ ‬وخسارات الجماعة سواء تعلق الأمر بالهجرة السرية أو بفلسطين أو بالعراق،‮ ‬أو بمختلف أشكال العنف المادي‮ ‬والرمزي‮ ‬الذي‮ ‬يتعرض له الإنسان‮.‬

اغترب تتجدد

وتحضر الهجرة لدى بنيونس ماجن من بين أكثر القضايا التي‮ ‬يطرقها في‮ «‬حتى‮ ‬يهدأ الغبار‮»‬،‮ ‬وبقدر ما تمثل الهجرة حلاّ‮ ‬من الحلول الممكنة التي‮ ‬قد‮ ‬يلجأ إليها البشر في‮ ‬بحثهم عن حياة أفضل،‮ ‬فإنها تظل حاملة للكثير من الأخطار والمحاذير خاصة في‮ ‬الوقت الراهن حيث الحدود صارت أكثر انغلاقا بشكل‮ ‬يتناقض مع التوجه العام للعالم في‮ ‬مايتعلق بعولمة السلع والخدمات والقيم والثقافات وفتح الحدود أمامها في‮ ‬مقابل مزيد من العراقيل أمام تنقل الأشخاص الأمر الذي‮ ‬أسفر عن ظهور أشكال خطيرة للهجرة‮:‬
‮«‬أما أنت أيها المهاجر
فوحدك تبحث عن‮  ‬طرقات جديدة
لتحملك إلى الضفة الأخرى
وعند مغيب الشمس ترسم تضاريس الهرو

المزيد


لا سبيل إلى الحداثة في‮ ‬مجتمعات تقيم في‮ ‬الماضي

مايو 15th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , قراءات

كتاب الحداثة المعطوبة لمحمد بنيس

جمال الموساوي

 

ربما كانت كلمة الحداثة التي‮ ‬شاع استعمالها بدون مناسبة أحيانا وفي‮ ‬غير مواضعها أحيانا أخرى،‮ ‬إحدى الكلمات التي‮ ‬فقدت الكثير من تأثيرها ووقعها‮. ‬فهي‮ ‬كلمة صارت بفعل الابتذال وسطوة الاعتيادي‮ ‬دون معنى‮. ‬حروف هيكل لا روح فيه،‮ ‬بواقع أن المجتمعات العربية والفاعلين الحداثيين في‮ ‬هذه المجتمعات لم‮ ‬يتمكنوا من ترجمتها والانتقال بها من حيز المصطلح واللفظ إلى حيز السلوك والممارسة المتجليين في‮ ‬اعتناق قيمها فعلا،‮ ‬لا قولا وتشدقا،‮ ‬وجعلها من صميم الحياة اليومية للأفراد والجماعات‮.‬
المجتمعات العربية لم تتمكن من الولوج إلى عصر الحداثة‮ ‬‭-‬‮ ‬العصر الذي‮ ‬يصر الكثيرون في‮ ‬الغرب على أنهم‮ ‬غادروه إلى عصر آخر أطلقوا عليه ما بعد الحداثة‮ - ‬لأنها لم تعش إرهاصاتها الضرورية ولم تتوفر فيها وتكتمل الشروط‮ ‬الممهدة‮ ‬لها‮. ‬فالتقاليد لا تزال متحكمة في‮ ‬مناحي‮ ‬الحياة كلها،‮ ‬وآخذة بناصية العقل،‮ ‬فلا تتركه‮ ‬يمارس شؤونه التنويرية؛ وعلى أساس هذه التقاليد،‮ ‬إذن‮ ‬يقوم السلوك اليومي‮ ‬للناس‮.‬
إن هذه المجتمعات لم تُعْطِ‮ ‬الفرصة‮ - ‬أو لم تُعْطَها أو فوتتها عندما كانت قاب قوسين أو أدنى‮- ‬لقيام ثورات كبرى كالتي‮ ‬قامت في‮ ‬غير‮ ‬ما‮ ‬مكان من العالم،‮ ‬لتجديد الحياة العربية التي‮ ‬بقيت وفية لرتابتها في‮ ‬السياسة والثقافة والاقتصاد،‮ ‬وبقيت الحداثة بالتالي‮ ‬معلقة في‮ ‬الأوراق مجرد حبر،‮ ‬أو في‮ ‬الألسن مجرد لفظة‮ ‬يلوكها الجميع،‮ ‬أو‮ ‬يختطها في‮ ‬هذا الكتاب أو في‮ ‬تلك الصحيفة أو فوق المنبر‮!‬
في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬حيث كل شيء‮ ‬ينشد إلى أوتاد الماضي‮ ‬يأتي‮ ‬كتاب‮ »‬الحداثة المعطوبة‮« ‬كأحد أهم الكتب التي‮ ‬أصدرها الشاعر المغربي‮ ‬محمد بنيس؛ وتكمن أهميته أولا في‮ ‬كونه صادرا عن محمد بنيس بالذات،‮ ‬وهو الذي‮ ‬ساهم،‮ ‬من موقعه كشاعر،‮ ‬في‮ ‬بلورة جزء من المشروع الحداثي‮ ‬في‮ ‬العالم العربي‮ ‬وتكريسه منذ ما‮ ‬يقرب من أربعين سنة،‮ ‬سواء من خلال انشغاله الأساسي‮ ‬بتطوير القصيدة العربية الحديثة‮ - ‬عطفا على ما قام به روادها‮- ‬ومدها بأنساغ‮ ‬جديدة مستمدة من انتمائه للمغرب،‮ ‬أو من خلال كتاباته التنظيرية ومقالاته التي‮ ‬حاول عبرها الإسهام في‮ ‬إشاعة القيم الحداثية في‮ ‬المجتمع العربي‮.‬
كما تكمن أهمية كتاب‮ »‬الحداثة المعطوبة‮« ‬في‮ ‬كونه‮ ‬يضم بين دفتيه،‮ ‬بشكل‮ ‬يقطر مرارة،‮ ‬خيبة المثقف وهو‮ ‬يرى ما بناه ودافع عنه‮ ‬يعيش على إيقاع انتكاسات متتالية،‮ ‬أو‮ ‬يوشك أن‮ ‬ينهار،‮ ‬لأسباب منها الموضوعي‮ ‬المرتبط بمختلف التطورات التي‮ ‬يعرفها العالم المعاصر،‮ ‬ومنها الذاتي‮ ‬المرتبط بصميم البنيات النفسية والاجتماعية للإنسن والمجتمع العربيين‮.‬
يرصد كتاب‮ »‬الحداثة المعطوبة‮«‬،‮ ‬إذن،‮ ‬فشل،‮ ‬أو شبه فشل‮- ‬على الأقل‮- ‬المشروع الحداثي‮ ‬العربي‮ ‬الذي‮ ‬يفترض أنه انطلق مع ما سمي‮ ‬بعصر النهضة العربية،‮ ‬ولكنه ليس رصدا كرونولوجيا أو ما شابهه،‮ ‬بل خلاف ذلك تماما،‮ ‬فمحمد بنيس،‮ ‬حتى وهو‮ ‬يخط هذه المقالات التي‮ ‬نشرت منجمة في‮ ‬صحيفة الحياة اللندنية،‮ ‬لم‮ ‬يخرج عن دائرة الكتابة الشعرية عبر تكثيف اللغةوخلق مجموعة من الصور المدهشة والانزياحات،‮ ‬والكتاب بذلك‮ ‬يحمل نفسا إبداعيا،‮ ‬وهو ما قد‮ ‬يكون سببا في‮ ‬تصنيف المؤلف له ضمن المذكرات ذات الطابع التأملي‮ ‬حين‮ ‬يكتب‮: »‬صباحات متتالية،‮ ‬عبرت نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة،‮ ‬كنت أجلس متأملا‮. ‬وللتأمل شكل مذكرات‮. ‬أرصد وألاحظ هذا الذي‮ ‬يقع في‮ ‬ثقافة سعت إلى أن حداثة،‮ ‬فيما هي‮ ‬تبرز منفية في‮ ‬عهد لم تكن تعلم أنه سيكون عهد المأساوي‮«‬1‮.‬
ولعل عهد المأساوي‮ ‬هذا‮ ‬ينسحب على جوانب عامة وهامة من الحياة في‮ ‬المجتمعات العربية،‮ ‬فقد كان القرن الماضي،‮ ‬وبداية الألفية الحالية أيضا،‮ ‬حافلا بالخيبات‮. ‬كان زمنا للهزائم المرة والانتكاسات الشديدة وتراجع أو فشل مجموعة من المشاريع السياسية والثقافية الاجتماعية على امتداد الخريطة التي‮ ‬تؤوي‮ ‬الأقطار العربية،‮ ‬فمن الاستعمار المباشر لجلها إلى نكبة فلسطين سنة‮ ‬1948،‮ ‬إلى الاستقلالات الناقصة أو المشروطة بالتبعية،‮ ‬طوعا أو قسرا،‮ ‬إلى الهزيمة الكبرى سنة1967،‮ ‬إلى اجتياح لبنان سنة‮ ‬1982،‮ ‬إلى حروب الخليج المستمرة،‮ ‬لم‮ ‬يتنفس الإنسان في‮ ‬العالم العربي‮ ‬هواء نقيا ولو للحظة واحدة،‮ ‬بل أقسى من ذلك،‮ ‬كان شبه ضحية للتحولات التي‮ ‬يشهدها العالم،‮ ‬فكرا وسياسة واقتصادا‮… ‬حيث تجاوزتْه هذه التحولات بالرغم من المظاهر التي‮ ‬يتلفع بها كأسمال،‮ ‬والتي‮ ‬يتحدث عنها بنيس بكثير من السخرية حين‮ ‬يكتب واحدا من تأملاته كما‮ ‬يلي‮: »‬سعادتنا جشعة‮. ‬الآلة وحدها تسحرنا‮. ‬التلفزيون والنقال‮. ‬وها أنت حديث جدا‮. ‬لقد امتلكت التكنولوجيا لكي‮ ‬تتساوى مع‮ ‬غيرك في‮ ‬العالم‮«‬2‮. ‬
في‮ ‬المظاهر نعم،‮ ‬ولكن أين تجليات الحداثة في‮ ‬العمق؟ التجليات التي‮ ‬تؤشر فعلا على ولوج عصر الحداثة من الباب الأوسع،؟ بمعنى ما،‮ ‬أين العقل والديموقراطية وحريات الأفراد وأشياء كثيرة أساسية؟‮. ‬إنها أسئلة مؤرقة ومحرقة تضاف إلى الأسئلة التي‮ ‬يطرحها المؤلف في‮ »‬الحداثة المعطوبة‮«‬،‮ ‬وهي‮ ‬كثيرة بالتأكيد،‮ ‬لكنه‮ ‬يترك الإجابات معلقة في‮ ‬الكثافة اللغوية التي‮ ‬اختزل فيها الاستطرادات والثرثرة التي‮ ‬تحفل بها الثقافة العربية الآن،‮ ‬على خلاف ما كانت عليه في‮ ‬السابق،‮ ‬ولذلك أسباب عدة‮.‬
لا‮ ‬يختلف اثنان على التربة الغربية للحداثة،‮ ‬وقد كان هذا من الدعاوى الأساسية التي‮ ‬جوبه بها مشروع التحديث في‮ ‬المجتمعات العربية،‮ ‬وقد أعادني‮ ‬كتاب‮ »‬الحداثة المعطوبة‮« ‬إلى بحث مطول كان محمد بنيس نشره في‮ ‬مجلة الكرمل سجل فيه هذا الاستنتاج،‮ ‬فكتب‮ ‬يقول‮: »‬نحن جميعا متورطون في‮ ‬الحداثة وقد أصبحت أثرا من آثار جسدنا‮… ‬وحتى لا نتوه في‮ ‬المفارقات والمطابقات نثبت أن الحداثة حداثات،‮ ‬والمشترك بينها هو أرضية الغرب تقنيةً‮ ‬وفكرا وإبداعا‮« ‬3‮.  ‬
وقد أفرز الخطاب المقاوم للحداثة على خلفية أصولها الغربية وعلى خلفية الممارسات الاستعمارية‮ ‬‭-‬‮ ‬الغربية‮!‬‭-‬‮  ‬في‮ ‬البلدان العربية،‮ ‬وغياب تلك الثورات الأساسية‮ ( ‬الاقتصادية والسياسية والثقافية‮) ‬لقيام مجتمع حداثي،‮ ‬وتراجع دور المثقف الحداثي‮ ‬نفسه بانخراطه في‮ ‬البحث عن مكاسب شخصية،‮ ‬كل ذلك أفرز انحسارا شديدا للروح النقدية الرافضة لسلطة المألوف في‮ ‬مقابل صعود قوي‮ ‬ومتسارع لخطاب آخر تقليدي‮ ‬ماضوي‮ ‬يستغل بعض الحمولات الدينية والخوف على الهوية ليجد لنفسه مساحات للهيمنة،‮ ‬ولذلك تصطدم الحداثة العربية بالبنيات الذهنية والعلاقات الاجتماعية المؤسسة على قيم تقليدية تحد من فعالية العقل وتنبذ ممارسات مثل الديموقراطية وإطلاق الحريات التي‮ ‬تصنع الإنسان المبدع وتبني‮ ‬مجتمعا متقدما،‮ ‬يقول بنيس‮: »‬إن الحداثة الغربية فعل للشمول،‮ ‬وهي‮ ‬أيضا رؤية تبدلت من أصولها المتعالية إلى إدراك علمي‮ ‬للمحسوس‮ ‬يملأ مع الزمن فراغاته مع ما‮ ‬يرافق إبدال هذه الرؤية من اختلاف جذري‮ ‬في‮ ‬علائق القوى الاجتماعية وما‮ ‬يضبط انتظامها وهما عنصران‮ ‬غير متوفرين في‮ ‬الحداثة العربية التي‮ ‬مازالت البنيات

المزيد


التالي