قراءة في ديوان ( مدين للصدفة ) لجمال الموساوي _ الوعي القلق _

مايو 27th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , عن "مدين للصدفة"

فؤاد أفراس

بعد ديوانه الأول ( كتاب الظل ) 1 ، أصدر الشاعر المغربي ( جمال الموساوي ) ديوانه الثاني تحت عنوان ( مدين للصدفة ) 2 ، و الصدفة تحمل معاني الالتماعة و الدهشة و حصول غير المتوقع و غير المنتظر أو المرتب له سلفا ، لذلك فالشاعر فرح بها إلى درجة أنه مدين لها ، لأن الصدفة عند الشاعر هي شكل من أشكال المعرفة في بعدها العرفاني و الإشراقي :

( ثمة أمر آخر
لا تشر إلا
إلى ما .. لا تراه ) ق : كن للوداع ص : 80

إن الشاعر هنا يستحضر الفعل الإشاري للشعر ، يستحضر جانب التلميح فيه ، على اعتبار أن المعرفة الشعرية مرتبطة بالحدس و بمخاطبة البعيد و الغامض ، إنها شكل من أشكال العماء الذي يعيد بناء رؤيته و صورة موضوعه :

( كن أعمى ، إذا شئت ، لكن ، من فضلك ، دع
قلبك يتصرف ) ق : قلت و أنت تحاورك ص : 51

رؤية و معرفة غير ملوثة بضوء الواضح و المباشر و المتعارف عليه ، كما أنها معرفة يلامسها الشاعر بملمس القلب و الحدس ، لكنه لا يستطيع أن يفردها و يعزلها و بالتالي يسميها ، لذلك يكتفي الشاعر برصد الحركة و الاضطراب اللذين يعتملان فيه :

( دونما خوف
تتآكل الفكرة بين أصابع الكف الواحدة
بينما أرجوحة تهتف بي من بعيد . الأرجوحة
ذاتها
تسكن قلبي دائما ) ق : انخطاف ص : 5

فالأرجوحة تعبر عن الحركة و الاضطراب ، و هذا يشير إلى أن الشاعر يقطن في التحول و التغير الملازمين لكل معرفة حقيقية ، و ليس في الثبات و السكون الملازمين لكل معرفة يقينية و منغلقة على ذاتها ، أو قوله :

( الوهم الذي يرتج هناك
يقترب : الحروف لا تتسع أكثر
و خطاي بلا أثر
في الأرض .. ) ق : الوهم ص : 11

فكلمة ( يرتج ) فيها معنى الحركة و الاضطراب ، أما كلمة ( الوهم ) ففيها معنى حالة ، لذلك فالشاعر على طول قصائد ديوانه لا يتبنى قضية أو موقفا أو فكرة ، بل يعبر عن حالات من خلال رصد حركة هذه الحالات و صيرورتها و الصور التي تأتي عليها ، و حتى عناوين بعض القصائد فهي عبارة عن حالات مثل : ( انخطاف ، الوهم ، شبح المعنى ، فرح لا يصل ، رتابة .. ) ، كما تحضر كلمات من قبيل :
( المعتم ، الغائم ، المبهم ، المحتمل .. ) ، للدلالة على أنها حالات خفية و بعيدة و تحضر مثل ومضات و انخطافات سريعة .. أو قوله :

( كن كما أشتهي
غيمة لا تعد
جرسا يدق لا لصلاة ،
يدق فقط كي يهتز القلب ) ق : كن ص : 19

فالشاعر لا يروم و لا يتقصد أي هدف ( وعد أو صلاة ) ، بل شهوته كامنة فقط في اهتزاز القلب ، أي فيما يثير و يحرك و يهيج ، فيما يخرج الحواس من سكونها و كمونها إلى هيجانها و اضط

المزيد


شعرية الفكرة في مجموعة (مدين للصدفة)

مايو 18th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , عن "مدين للصدفة"

محسن أخريف


(مدين للصدفة) هو عنوان مجموعة شعرية للشاعر جمال الموساوي، وهي الثانية له، بعد مجموعة شعرية أولى اسمها: (كتاب الظل) التي عمدتها بماء الجودة جائزة مغربية مرموقة على اعتبار رمزية المؤسسة التي تمنحها، وهي بيت الشعر في المغرب.
يحتفي جمال الموساوي في هذه المجموعة بالأشياء غير المكتملة، وبالأشياء غير اليقينية، وهذا يظهر بوضوح من خلال العناوين الدالة والمؤشرة على الانخطاف، والوهم، والتوهم، واللايقين: (انخطاف، الوهم، زهرة اليائس، شبح المعنى، قلب الأعمى، ظلال تطوي الأرض)؛ أليس بالتوهم يخلق الشاعر عالمه؟ أليس عدم وضوح الرؤية سبباً وسبيلاً لكتابة الشعر، وأنَّ تيقن الشاعر من أحاسيسه ومن ماهيات الأشياء يعرِّضه لفقدان الدهشة والحيرة، وبالتالي فقدان مهيجات الكتابة، كتابة الشعر تحديداً. يقول في قصيدة: (قريباً.. على أجنحة الزوال): (ليس ثمة ما أثق/ في شكل).
وشكّ الشاعر، وعدم يقينه لا ينحصر في أشياء الخارج فقط، وإنما يبدأ من الذات، يقول في قصيدةٍ ذات لبوس صوفي ظاهر عنوانها (ظلّ ما مر): (والآن، أقف رأساً لرأس أمام المرآة/ لا أراني/ أراني آخر في ذاتي/كيف ارتقيت المنعرج الحاسم ومررت مني إلي).
إن الشعرية المهيمنة في هذه المجموعة هي شعرية الفكرة، إذ نجد الشاعر ينأى بنصه عن أي لعب باللغة، ويجنبه كل فذلكة لغوية، أو حتى تنويع تركيبي أو صرفي في اللغة يقترب من مستوى الإغراب عند القارئ العادي، وهذا يظهر في كل النصوص، حيث تتشيد الشعرية فيها من جمل تركيبية بسيطة، يقول الشاعر في قصيدة: (قريباً على أجنحة الزوال): (الظلال أشجار ميتة/ أشباح تتبع الشمس إلى بيت/الغروب).
إنها شعرية غير مؤسَّسة على بلاغة لفظية، أو على تنميق الكلام، فهي بلاغة الفكرة الثاقبة في قالب المجاز. ولهذا نجد المعنى في ديوان (مدين للصدفة) لا يتسم بالغموض التام، الذي ينتج عن تركيب لا يتسم بالانسجام، وبالتالي يخلق حالة غائمة. كما أنه لا يبين من أولى القراءات، التي تنتج عن سلك مسلك المباشرة في بناء القول الشعري.
إن جمال الموساوي، وهو الشاعر الشفيف يعلن بصدق وصراحة عما يبط

المزيد


مدين للصدفة، الموجودات المحايثة

فبراير 6th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , عن "مدين للصدفة"

مدين للصدفة، الموجودات المحايثة

محمد معتصم الناقدالأدبي

 

1/ في قصيدة "ظلال تطوي الأرض" وقد اختارها الشاعر خاتمة لديوانه الثاني "مدين للصدفة"، يقول في آخرها:

" مطر

هذا العمر ذو القطرات

ذو الفقاعات

ذو الرغبة في التلاشي،

نصعد العقبة منحدرين،

طيور سود فوق هاماتنا

بينما الظلال تطوي الأرض." ص (92)

وهو ما يدل على أن القصيدة عند الشاعر جمال الموساوي ليست وليدة الصدفة بل هي نابعة من تخطيط، أو لنقل إنها تنبع من عين واحدة. تلك العين التي نبع منها الديوان الأول للشاعر "كتاب الظل". وهنا بالتحديد أكتشف عميقا حساسية الشاعر. وأتفاعل معها، لأنها ستمنحني إمكانية التأويل اللامحدود للقول الشعري. وأهم تلك الأبعاد؛ البعد الذي يقف متأملا الذات محاورا إياها، متصارعا معها في آن، والذي يقف في وجه الواقع (المستنقع) ناشدا الحلول والتلاشي.

وتتخذ الظلال في الديوان معاني متعددة، أهمها "غياب الأثر"؛ يقول النص:" الحروف لا تتسع أكثر/ وخطاي بلا أثر/ في الأرض…" ص (11). وكأن الأثر بعد تلاشي الجسد، ينشد انشداد الذات الشاعرة إلى الواقع وإلى الحياة التي تضج بالتناقضات وتحفل بالموت، بينما تطلب هي الانفلات والانخطاف والحلول في المطلق واللا شيء. فلا حقيقة في القصيدة، في اللغة، غير الظلال. وكأن الظل أصل والجسم فرع منعكس عنه. وفي انقلاب المعنى تضمين لإحساس خالص بالتذمر من الوضع والواقع، وتفاوت ملموس بين واقع الحال ومطمح الذات.

وتجاور الظلالَ ألفاظٌ قريبة من حيث الحقلُ المعجميُّ. لكنها جميعا تستخف بثقل الجسد، وبالحياة، وتمدح التسامي الروحي. ومما يبعث في القصيدة على الاستخفاف بالحياة، ورود لفظ الموت بصورة مكثفة ملفتة للانتباه. وأبرزها موت الأصدقاء، والموت هنا يتخذ المعنى المباشر للكلمة دون اللجوء إلى المجاز. أي توقف الكائن عن الموجود الفعلي والمحسوس. ويتخذ الموت معنىً مطابقا لليقين والحقيقة كونه قيمة ثابتة لا تقبل الجدال. ويتخذ معنى أعمق عندما يقترن بحالة من التسامي وانشداد التحول والتخلص من المادة، عندما يصبح الموت مرادفا لغياب الأثر. وليس جديدا الحديث عن ارتباط الأثر بالعلامة. لأنه دليل على وجود سابق. لكن دلالة الأثر أ

المزيد


جمال الموساوي ” مدين للصدفة” ليكون جديرا بالوهم

يناير 27th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , عن "مدين للصدفة"


أحمد الكبيري

 

[” لعلنا جميعا ، أنت وأنا، مدينين لهذه الصدفة،
ولعلها هي الصدفة ذاتها التي فتحت لنا هذا الأفق،
هذا الامتداد وهذه المحبة التي لا تنتهي….”
]

بهذه الكلمات الرقيقة والعذبة والعميقة أيضا، وقع لي الصديق الشاعر جمال الموساوي ديوانه الجديد ” مدين للصدفة”…هذا الديوان الذي يضم بين دفتيه مجموعة من القصائد المكتوبة بكثير من التروي والصدق وبجرعات زائدة من الهشاشة والقلق. قصائد كان لي الحظ والشرف أن أطلع عليها عند أول إطلالة لها من قلب الشاعر على نور الوجود وعتمته، مسكونة بالدهشة والخوف وحب البقاء.
بل كنت في كثير من الأحيان، كنت ،بحكم الصداقة والحميمية التي تجمعني بالشاعر، شاهدا على حالات القلق والمخاضات التي تسبق انكتابها. لكن مع ذلك أتساءل ، هل ذلك يعتبر كافيا لأزعم بأني أستطيع النفاذ إلى عمق قصائد جمال الموساوي ومعانيها لغة ومضمونا؟

وما يجعلني أطرح مثل هذا السؤال متهيبا، هو الارتباك الذي أحدثه عندي عنوان الديوان” مدين للصدفة”. ذلك أنه منذ الوهلة الأولى وجدتني أمام عدة أسئلة مستفزة برقت في سماء جمجمتي:
عن أية صدفة يتحدث الشاعر؟ ماذا منحته هذه الصدفة حتى أصبح مدينا لها؟ وبماذا هو مدين لهذه الصدفة؟ ثم هل هي صدفة معلنة في نصوص الديوان أم مض
مرة في نفس الشاعر تسكن شغاف القلب وتمتطي أجنحة الروح؟
وعند عودتي المتكررة للديوان لم أعثر على أية قصيدة تحمل هذا العنوان، تسعفني في الحصول على خيط من نور أسير في هديه من مهد فرحتي بالديوان إلى لحد ارتباكي. ذلك أني مهووس بالشكل المثقل بالمعاني لا بتلك الأشكال التي تملأ أكثر كأس فراغي. والنص الوحيد الذي عثرت فيه على كلمة “صدفة” وجدته يحكي سيرة قلب يسرح الفراشات في هدوء اللغة، مدين ، هو الآخر، للصدفة بالشاعر نفسه. يقول الشاعر في هذا النص الذي عنونه ب”شجرة القلب”:

” يصعب أيها القلب
أن تسرح الفراشات في هدوء اللغة.
سأنسى أنك مدين للصدفة بي
وأشفع، هكذا دونما جدارة،
لهذا السفر المربك…” ص37

وهذا المقطع اليتيم في الديوان الذي جاء فيه الشاعر على ذكر الصدفة، عوض أن يفتح لنا شرفات التأويل، أطفأ كل كوات النور وقذفنا مع الشاعر في سفره المربك. حيث علينا أن نقتفي آثار صدفة ما بقيت عالقة في مكان ما بين الكلمات كي نصل في الأخير إلى أن لا شيء في هذا الديوان وليد الصدفة
بل هناك ذات شاعرية تتفاعل بقلق وخوف مع واقعها ومحيطها. ذات تبدو هشة تائهة غير منسجمة مع نفسها ـ وهنا لا أتحدث عن الانسجام بمعناه السيكولوجي وإنما بمعناه الوجودي ـ ذلك أننا نستشف من النصوص معاناة هذه الذات بسبب القلق الذي يسكنها، والهواجس والصراعات التي تتخبط فيها، وهذا ما يمكن تمثله شعريا بالعدي

المزيد