فؤاد أفراس
بعد ديوانه الأول ( كتاب الظل ) 1 ، أصدر الشاعر المغربي ( جمال الموساوي ) ديوانه الثاني تحت عنوان ( مدين للصدفة ) 2 ، و الصدفة تحمل معاني الالتماعة و الدهشة و حصول غير المتوقع و غير المنتظر أو المرتب له سلفا ، لذلك فالشاعر فرح بها إلى درجة أنه مدين لها ، لأن الصدفة عند الشاعر هي شكل من أشكال المعرفة في بعدها العرفاني و الإشراقي :
( ثمة أمر آخر
لا تشر إلا
إلى ما .. لا تراه ) ق : كن للوداع ص : 80
إن الشاعر هنا يستحضر الفعل الإشاري للشعر ، يستحضر جانب التلميح فيه ، على اعتبار أن المعرفة الشعرية مرتبطة بالحدس و بمخاطبة البعيد و الغامض ، إنها شكل من أشكال العماء الذي يعيد بناء رؤيته و صورة موضوعه :
( كن أعمى ، إذا شئت ، لكن ، من فضلك ، دع
قلبك يتصرف ) ق : قلت و أنت تحاورك ص : 51
رؤية و معرفة غير ملوثة بضوء الواضح و المباشر و المتعارف عليه ، كما أنها معرفة يلامسها الشاعر بملمس القلب و الحدس ، لكنه لا يستطيع أن يفردها و يعزلها و بالتالي يسميها ، لذلك يكتفي الشاعر برصد الحركة و الاضطراب اللذين يعتملان فيه :
( دونما خوف
تتآكل الفكرة بين أصابع الكف الواحدة
بينما أرجوحة تهتف بي من بعيد . الأرجوحة
ذاتها
تسكن قلبي دائما ) ق : انخطاف ص : 5
فالأرجوحة تعبر عن الحركة و الاضطراب ، و هذا يشير إلى أن الشاعر يقطن في التحول و التغير الملازمين لكل معرفة حقيقية ، و ليس في الثبات و السكون الملازمين لكل معرفة يقينية و منغلقة على ذاتها ، أو قوله :
( الوهم الذي يرتج هناك
يقترب : الحروف لا تتسع أكثر
و خطاي بلا أثر
في الأرض .. ) ق : الوهم ص : 11
فكلمة ( يرتج ) فيها معنى الحركة و الاضطراب ، أما كلمة ( الوهم ) ففيها معنى حالة ، لذلك فالشاعر على طول قصائد ديوانه لا يتبنى قضية أو موقفا أو فكرة ، بل يعبر عن حالات من خلال رصد حركة هذه الحالات و صيرورتها و الصور التي تأتي عليها ، و حتى عناوين بعض القصائد فهي عبارة عن حالات مثل : ( انخطاف ، الوهم ، شبح المعنى ، فرح لا يصل ، رتابة .. ) ، كما تحضر كلمات من قبيل :
( المعتم ، الغائم ، المبهم ، المحتمل .. ) ، للدلالة على أنها حالات خفية و بعيدة و تحضر مثل ومضات و انخطافات سريعة .. أو قوله :
( كن كما أشتهي
غيمة لا تعد
جرسا يدق لا لصلاة ،
يدق فقط كي يهتز القلب ) ق : كن ص : 19
فالشاعر لا يروم و لا يتقصد أي هدف ( وعد أو صلاة ) ، بل شهوته كامنة فقط في اهتزاز القلب ، أي فيما يثير و يحرك و يهيج ، فيما يخرج الحواس من سكونها و كمونها إلى هيجانها و اضط















