فلسطين في السؤال الثقافي

يناير 11th, 2009 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

زهور كرام* 

الكتابة ليست ترفاً، قد تكون كذلك بالنسبة لمن يعاني سؤال العدم.
الكتابة التزام ومسؤولية.
ليس هذا درسا أو حكمة، إنما من وحي تاريخ الكتابة في علاقتها بوجدان الشعوب.
عندما تتعثر الكتابة في تشرب وجدان الشعوب، تعلن خيانتها العظمى.
فلسطين كانت هي جوهر الكتابات العربية، ومحور النقاش الفكري والثقافي، وملتقى الاختلاف العربي. مهما تصدعت العلاقات بين المثقفين والمبدعين جاءت فلسطين لتعيد الصحو إلى الضمائر.
هكذا تربيت وأنا في الثانوية وأنا في الجامعة حيث كانت الساحة الطلابية ساحة فلسطينية بامتياز.
فلسطين كانت وعينا الجماعي، بها وعبرها كنا نبني وعينا حول قضايانا المحلية، وندرك مستوى نضجنا وتفكيرنا، بل كنا نفكر في قضايانا من خلالها باعتبارها أرقى أشكال الوعي بمعنى وجودنا.
هي الوعي.. والصحو.. والضمير.. والالتزام.. والنضال.. هي الذات العربية في أفقها وحلمها.
علمتنا أناقة الذوق في السماع والطرب والفن. كانت الأذن تفر من كل فن ساقط.
علمتنا كيف نصغي إلى مارسيل خليفة ونحن نبني في أفقنا فلسطين المحررة ونحلم بالقدس عاصمة فلسطين. وتربينا على قصيدة درويش، معنى أن تكون فلسطين قصيدتنا الموحدة، ذات الإيقاع المنسجم، والتفعيلة الحرة بانتظام، والحس المرهف الذي يدفع الذات إلى الجمال..
هكذا كانت فلسطين.
غير أن هذا الوعي المشترك بات باهتا في البيانات والخطابات والمؤتمرات، حيث بات الحديث عن فلسطين محتشما، والبيان باهتا، وأصبحت الكوفية الفلسطينية رمز النضال والمقاومة موضة في زمن الهز واللمز، وأغاني فيديو كليب، والفن الساقط، وزمن الفضائيات التي تصنع برامجها في دقيقة واحدة النجم الساطع، والملياردير الذي بإمكانه أن يعيد الحياة إلى الغول الأميركي…
يحدث كل هذا وغزة قبل المحرقة الصهيونية تحاصر، ويموت أطفالها ونساؤها جوعا في الوقت الذي تدفع فيه بعض الفضائيات العربية أموالا طائلة على جسد أنثوي يجيد هز البطن.
الثقافة ليست عبثا، إنها التزام بقضايا الشعوب، وحين تصير لعبة في الأيادي، تسجل خيانتها العظمى.
والانتماء إلى إطارات ثقافية وحقوقية ليس نزوة، إنما اختيار وجودي وفكري. وحين تعبث تلك الإطارات بمعنى الانتماء تسجل بدورها الخيانة العظمى. لأن مسؤوليتها تاريخية في أن تعبر عن وجدان وموقف المنتمين إليها، وإلا فلتذهب هي الأخرى إلى الجحيم.
ماذا يعني إطار حقوقي وثقافي لا يملك القدرة حتى على التعبير عن الإدانة لما يحدث في غزة؟
كنت أفترض مع تعطيل فلسطين في السؤال الثقافي، ومجيئها باهتة إلى حد الخجل في بيانات بعض الإطارات، أن القضية أصبحت هي الأخرى باهتة في فكر ووجدان الشباب، غير أنه انطباع تلاشى يوم الأحد 4 يناير، عندما وجدت أكثر المشاركين المحتجين في المسيرة الشعبية المغربية بالرباط المتضامنة مع غزة

المزيد


كانت صحراء فحسب

أبريل 6th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة


sansti

سعيد السوقايلي

كانت صحراء فحسب

وكنت النهر الجاف الذي

أضاع  طريقه عبرها،

ودعت أشجاري وفراشاتي

وسمكاتي الملونة

كلما تقدمت في المسير

انطبقت ضفتاي على نفسها

وفقدت ينابيعي الأولى.

      

         *** 

كانت صحراء فحسب

الطريق الطويلة تنذر حقا بالرهبة

الجبال الصخرية المسطحة

أشبه بمرايا مطفأة

والمنعرجات تخفي وراءها

أكثر من تيه

الحشائش الشائكة

وقطعان الإبل والماعز

الضاربة في البعد

ومضارب البدو المتنافرة

تدعوني إلى وليمة حياة مهولة

لم أخبرها بعد

حيث يسيح المكان

وتصير ثواني الوقت بعدد حبات الرمل

صادمة هي اللحظات الفاترة الطويلة

كيف لحواسي أن توقف من إيقاعها الحثيث؟! 

             *** 

لقد شخت باكرا

قبل أن أصلك أيتها الصحراء

شاخت أنفاسي

وجفت أحلامي في الطريق

أعرف أنك بارعة في الضيافة

لفحاتك الحارقة

قبلات عاشق شرس

زوابعك الضريرة

عربون ترحيب مدرار

وسرابك المتتالي

رسائل مائية غاية في التمويه

لزائر أنهكته الرحلة

واضحة أنت كفضيحة عارية على جسد الأرض

عذراء حرون تجلس الأربُعاء

تحمصين بشرتك تحت الشمس

تمشطين سعفك بريح جافة

وتغسلين وجهك البدوي في واحات نهر درعة

ذلك النهر الجنوبي الذي أفلس بحبك

وفي المساء تنامين عند أقدام الأطلس الجليل

بعد أن تنزعي عنك قلائد الكهرمان وخلائل الفضة

تحلمين بفارس قروسطي ملثم . 

        *** 

كما لو كنا  على موعد أزلي

حين التقينا على حافة البئر

نحمل الجرار والدلاء

تبادلنا النظرات الباردة

وافتعلنا الكلام العابر

وما أدركتُ ساعتها

- وأنا أغرف عميقا من قلبي دلائي المكتنزة -

أني أطفح قلبك بمياهي

وأسقي  جنائنك التي سنهيم فيها

حيثما تمشينا

اخضرت الصحراء تحت أقدامنا. 

      *** 

كانت صحراء فحسب

وكان بيتك ذو البوابة الزرقاء

المحتمي بطابور من البيوت الخفيضة

المشرعة على  الفراغ والوحشة

فقط الطريق المعبدة الوحيدة

تفصل عنه أميالا من الليل ونباح الكلاب الضالة

وهبوب ريح  رهيبة.

أذكر بعد منتصف الليل

بابك ونوره الممدد كسجاد لا نهاية له

وقفتك وظلها الذي يتبعني

وأنا أغادرك متأخرا

يجتاحني خوفك علي من وحشة الطريق

أعبر قنطرة واد هرم

محتاطا من ريحه الباردة

وألتفت إليك من بعيد

لا زلت تقفين على بابك المضيء

كفانوس ينير طريقي

فانوس لا يبرح عيني

المزيد


لازالت قبيلة الشعر المغربية تنسى أبناءها

مارس 25th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

في عيد الشعر…

 لازالت قبيلة الشعر المغربية تنسى أبناءها

 

 

عبد العزيز بنعبو*

 

شهر مارس ، يمكن اعتباره شهر الأعياد بامتياز. بدءا بعيد المرأة ثم عيد الشعر ثم المسرح. ناهيك عن مصادفة هذه السنة لعيد المولد النبوي .

لحسن حظ البسطاء من المغاربة أن عيد الشعر و المسرح لا يستلزم الحلويات و الوجبات الدسمة والمصاريف الزائدة و الألبسة الجديدة للأبناء. لحسن الحظ أن الشعر لازال يستوطن الرفوف وصدور عشاقه و أمسيات رواده ونكران قبيلته لبعض أبنائها.

بالأمس القريب و بالضبط فبل أيام على الاحتفال باليوم العالمي للشعر، التقيت صديقا شاعرا يحمل الخبز وبعض حبات البطاطس و الطماطم، وكنت بدوري أحمل الخبز و الدواء. لم أسأله ولم يسألني، لم أبارك له العيد وكذلك هو لم يفعل.فقط لأن الجوع و المرض لا يحتفلان و قبيلة الشعر المغربية ترفض أن يكون أحد أبنائها بئيسا أو عليلا ، لأنه حتما لن يستطيع ممارسة طقوس الاحتفالات الروحية بحلول عيد الشعر، الذي تفخر قبيلة الشعر المغربية بكونها الداعية إليه و المؤسسة له كتقليد سن

المزيد


مَا يَدِقُّ إليهِ المَسْلَكُ… نِداءٌ للِشُّعَـراء المغاربة

مارس 20th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

                      صلاح بوسريف

                  [1]

 

حُبْسَاتٌ كثيرَةٌ شَغَلَتْنا عن مُوَاجَهَة بَعْضِنا. لَمْ نتَجَرَّأْ على فَتْحِ الحِوار بَيْننا؛ في ما نَكْتُبُهُ أو نُفَكِّرُ فيه. نُصَافِحُ بعضَنا، و نَخُوضُ الكَلامَ في كُلِّ شَيْءٍ، أي في كُلِّ مَا يُجَنِّبُنا الذَّهَابَ إلى ما نَكْتُبُهُ، و كأنَّ لا أحَدَ يَعْنِيهِ شَأنُ الآخَر.

 

لِقاءَاتٌ، فيها نُضَاعِفُ يُتْمـَنا، و نَحْـرِصُ على الوَدَاع قبل اللِّقـاءِ. نادِرَةٌ هـي " المُصَالَحَاتُ الشِّعْرِيَةُ "، التي يكونُ الإنْصَاتُ فيها، بَلَغَ أَوْجَ تَوَاضُعِهِ.

 

مَا نكْتُبُهُ، ليس مُنْجَزاً، بالمعنى الذي يجعَلُ المُنْجَزَ قَفَصاً. فهو مُقْتَرَحٌ، أعني طَريقاً. لا أحَدَ مِنَّا يعرف، و هو ما زالَ يَخُوضُ الكتابةَ، إلى أيِّ غَسَقٍ سَيُفْضِي به هذا الطَّريق، أو كما يقول أحدُ قارِئي رامبو " ما نُريدُ كتابَتَهُ هو ما نحنُ بصدد كتابته ". أي ما لَمْ نَفُضَّ يَدَنَا منه بَعْدُ.

 

لماذا، إذن، نُشْبِعُ أنفُسَنا باليقينِ، و نسْتَسْلِمُ للاقتناعِ بما نكتُبُه، أو بما نعتبره أرضاً لا تَقْبَلُ الاسْتِبَاحَةَ، أو ماءً، لا يَكْفِي إلاَّ لِرَيِّ ما زَرَعْناهُ.

 

لا نَحْتَمِلُ النَّقْدَ. لا نحْتَمِلُ المُواجَهَةَ، و لا رَأْيَ الآخرينَ فينا. مَا يَفِدُ علينا مِنْ إطْراءٍ و تَبْجِيلٍ؛ نَراهُما حقِيقَةً، و لا نقبَلُ غيرَهُما.  أهكذا تَتَأسَّسُ المعرفة؟!  أو هكذا يُمكن للشِّعر أنْ يَخٌوضَ مَطَبَّاتِهِ، ذاهِباً إلى مجهولاتِهِ المُفْتَرَضَة؟!

غيرُ مُمْكِنٍ أبداً، أنْ نُقْبِلَ على " الطُّرُقِ الكبيرة "، أو نمشيها بتعبير رامبو، دونَ أن نُجْهِزَ على مثل هذه السَّذاجَاتِ التي بها طَوَّقَتْنا ثقافة، لم تَأْتِنا من ماضي الشِّعر، و لا من ماضي المعرفة عُموماً، بل هي صَدًى لِما شَرَعَت بعضُ المُمارَسات، غير الثقافية، في ترسيخه، و كأنَّ صُورَةَ الشَّاعر هي صَدًى لصُورَة الحاكم أو الزَّعيم؛ لا يقبَلُ بغير التَّمْجيدِ، و لا يَرْتَضِي غيرَ الإطْرَاءِ خِطاباً و كَلاماً.

 

             [2]

 

المسافاتُ كَبُرَت. و حتى حين يجري اللِّقاء بين الشُّعَراء، و هو وَضْعٌ ينطبق على غيرهم مِنْ مُمَارِسِي الكتابة عامةً، لا نَشِفُّ، و نَفْضَحُ فَرَحَنا بِما سمعناهُ، أو بِما قد نقرأُهُ لهذا الشَّاعر أو ذاكَ. نُجْهِزُ على فَرَحِنا، أو نُحَوِّلُهُ إلى صَمْتٍ مُطْبِقٍ، و كَأنَّ الحُبْسَةَ هي قَدَرُنا الذي لا نقوى على تغييره.

 

ليس مُهِماً أن يكونَ الحوارُ مُرَتَّباً، أو نَتَهَيَّأ لهُ بشكل مُسبق، إنَّ اللِّقاءَ، حين نكونُ مُهَيَّئِينَ لهُ، بِمَحَبَّتِنا للِشِّعر، لا بغيرها، يكونُ أكثر جُرأَةً على خَوْضِ المَسـالِكِ. لا عُقَدَ و لا حُبْسَاتٍ، الشِّعْرُ، بما هو مُقتَرَحٌ، و أرضٌ مُشْرَعَةٌ على كُلِّ مُمْكِناتِ زُرُوعِها، هو ما يَصِلُنا.

 

" كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ "، و كُلٌّ يَخُوضُ مصيرَهُ، وِفْقاً لِما في يَدِهِ منْ ماءٍ. فأراضي الشِّعر مَحْفُوفَة بانْجِرَافَاتٍ، وَعْيُها يكفي لجعلِنا نُنْصِتُ بتواضُعٍ لمن يذهبُ لغير ما نحنُ بِهِ مُقتَنِعون.

 

إنَّ خَدَرَ المُسلَّماتِ، كثيراً ما يُفضِي بنا إلى الاستغراق في ذواتنا. نصيرُ مرآةً لأنْفُسِنا، و لا نقبلُ بالآخر شَرْطاً لِرُؤيَةِ المُخْتَلِفِ فينا.

 

الإقبالُ على الشِّعرِ، و خَوْضُهُ بانْشِراحَاتِه الكثيرة، يَفْتَرِضُ انشراحاً في رُؤيَتِنا، و في فهمنا البعيدِ لمعنى وُجُودِنا الشِّعريِّ. ففي مُوَاظَبَة الصيرورَة، ما يُعَلِّمُنا، بتعبير النِّفَّرِيِّ، أنَّ " المعرفةَ المُسْتَقِرَّةَ جَهْلٌ مُسْتَقِرٌّ ".

 

            [3]

 

تَمْتَمَةُ الحِوَار أو تَهَجِّيه، باتَ اليوم أحد شُـروط المعرفة القَلِقَة، التي بدونِـها، لا يُمكِنُ أنْ نُحْدِثَ المُنْعَطَفات اللاَّزمة في تجاربنا. أنْ نَجْرُؤَ على النَّظر في مرآة الآخر، و أن نَتَّخِذَهُ شَرْطَ وُجُودٍ، أو نُنْصِتَ، في أقَلِّ تقدير، لِما يأتي منه، هو إشارة ضوء، قد تَفِي، ربَّما، بِطَمْسِ ظُلَمِ الغابَةِ التي بِتْنا نَجُوبُها، دون أن نََتَبَيَّنَ كُوَّةً تَصِلُنا بالنُّورِ الذي مَا فَتِئَتِ الظُّلَمُ تَلُفُّهُ دونَ هَوَادة.

 

مِنْ ظُلمَةٍ إلى أخرى، أو من جُرْحٍ إلى آخر. هذا هو ما عليه وَضْعُنا اليوم. مَمَرَّاتٌ مُظلِمَةٌ، لا تُفْضِي إلاَّ للقَطائِعِ، أو لِحُروبٍ تُفْرَضُ علينا في الظَّلام.

                       مَنْ

                       يَقْتُلُ مَنْ..

                       لا

                       أحَدَ يَتَبَيَّنُ قَاتِلَهُ..!

 

           [4]

 

نِداءُ الانْهِماك الشِّعريّ: الطَّريقُ الذي يكونُ مَحْفُوفاً بالعمل، بالتَّأمُّلِ و بالإنصاتِ لتجارب الآخرين. الكتابَةُ لا تَحْدُثُ من لا شيء. اللُّغَةُ وَحْدَها تكفي لِتَشِي بالآخرينَ فينا، أولئك الذين عملوا قبلنا على خَوْضِ مَجازاتِها، أو اسْتِشْفَافِها، كتعبير به تسعى كُلُّ ذاتٍ أن تتجرَّدَ من هيمنة الآخر، أو من أثره فيها، أو بتعبير غادمير، و هو يتحدَّثُ عن الاختراقات اللُّغوية لهايدغر، رغم أنَّ الأمرَ يَخُصُّ لُغَةَ الفكر؛ أن نُمَزِّقَ الفَهْمَ الطبيعيَّ، المُشْتَرَكَ للكلمات، و أن نفرض عليها معانيَ جديدة.. أعني أنْ نَحُفَّها بتوقيعنا، بما في يَدِنا، أو حتَّى لا تتبدَّى الشَّرَاكاتُ فادِحَةً، و يصيرُ الآخر فينا صَوْتاً، و نحن رجْعاً لَصَوْتِه لا أقلَّ.

 

هذا ما يقتضي الحوارُ أن نذهبَ إليه؛أن نبحث عن ذواتنا في آخَرِنا، و أن نُنْصِتَ للنِّداءات القَصِيَّةِ التي تُبَاغِتُنا، و تفرضُ علينا احترامَ ما لا يُمكِنُ نُكْرَانُهُ.

 

ليس مِنْ حَقِّنا أن نُعَتِّمَ على المُنْشَقِّ، أو نتغاضى عن مُقتَرَحاتِهِ، ثمَّةَ دائماً أراضٍ، ما تزالُ بلا عُشْبٍ. فلاَّحُـونَ كثيرون يتعاقبون على أراضي الشِّعـر، و كُلٌّ يأتي غَرْسَهُ من غير المكان الذي منه هَبَّت أمطارُ غيرهِ.

 

لكن ليس من حقِّنا أنْ نُقيمَ في نفس العُشْبِ، فالأرضُ التي لا نُقَلِّبُ تُرابَها، تَتَيَبَّسُ و تمُوتُ. هذه هي فداحَةُ المُسْتَقِرِّ، الذي لا يَخُوضُ الصَّيْرُورَةَ، أو يُراقِبُها.

 

              [5]

 

الشِّعرُ اليَومَ غَيَّرَ مَجْراهُ. بقدر ما يذهبُ إلى العَصِيِّ و البَعيدِ، بقدر ما أصبحت أشكالُ مُقاوَمَتِهِ تتنوَّعُ و تزدادُ كثافَةً.

 

أصبحَت اليومَ، جِهَاتٌ كثيرةٌ، تَتَوَافَـدُ على الشِّعرِ، لِوَضْعِهِ في آخـر المطافِ. "لا أحد..! "، هكذا يحكُمُونَ على الشِّعر بِجَرَّةٍ واحِدَةٍ، حينَ يُطْلَبُ منهم أن يَختاروا كِتاباً لشاعـر يحظى بـ " شرَفِ الشِّعـر! "، و هُم لا صِلَةَ لهُم، لا بالشِّعرِ، و لا بنقدِهِ. فتأمَّل..!

 

الشِّعـرُ، في سيـاق هذا الوضع الذي فيه يتحالفُ المغـاربَة مع غيـرهم، باتَ " غريباً "، كما يقول بونفوا، " عن حقل الفكر المُهَيْمِنِ "، كما أنَّهُ صارَ " مَخْنُوقاً بَتَعَمُّدٍ و مَطْرُوداً ".

 

هَاهُم أحْفَادُ أفلاطُون يعُودونَ، لكن بِقِصَرِ نَظَرٍ، و بِقِصَرٍ في التفكير و الفهم، لأنَّ هذا الشِّعْرَ الذي يُبَاغِتُهُم، لَمْ يَتعَوَّدوا على قراءتِهِ.

 

إنَّ " الفكر المفهومِيَّ "، هو ما أصبحَ يُرَوِّجُ لهذا الوعي، و يسعى إلى تجذير خِطابٍ، لا أعتقدُ أنَّ أحداً يُجادِلُ، في أننا في المغرب، ما نزالُ نتعلَّمُهُ، أو نكتُبُه بكثير من التَعثُّر، و الفقر في الخيال، والشَّاذُ هنا لا يُقاسُ عليه.

 

فالعودةُ بالشِّعر إلى المُتَعَدِّدِ، إلى اللاَّمُتناهي، هو الكفيل بالخُروج به من اخْتِناقات الفكر المفهومي، و هو ما يُبْطِلُ كُلَّ المُناوَرات التي تُحاكُ ضدَّ الشِّعر، و تضعُهُ في مَهَبِّ النِّسيانِ.

 

لم تعد " القصيدة " اليومَ، تَفِي بهذا التَّعدُّد. فهي قائمة على البيتِ، و على ما يَتَرَتَّبُ عنه من تَبِعَاتٍ. بانْفِراطِ مفهوم البيت، و بغيره من مُكوِّنات القصيدة، كما كانت تأتينا من غير زمننا، تكُونُ القصيدةُ قد استنفذت ذاتها، و أصبح الشِّعـرُ أوْسَع مما نعتقده. الشِّعرُ، إذن، هو الشَّكلُ الذي يُتيحُ للمُتَعَدِّدِ و الكثير، أن يتَفَشَّى في النص، و ينقُل الكتابةَ من الصَّوْتِ المُفـرَدِ المَعْزولِ، إلى مَسْرِح أصْـوات  و لِقاءَاتٍ، و إلى مُضاعَفَة الظِّلالِ في النص، كما لو أنَّه عَزْفٌ تتحكَّمُ في نسيجِهِ خُيُوطٌ تَضَافُرُها هو مَا يُشْرِعُ الحِكايَةَ على كُلّ ِاحتمالاتِها.

 

لمْ تعُد التَّعَاقُدات السَّابِقَةُ، الذي ظلَّت لقرون تحكُم النَّوْعَ الشِّعرِيَّ، و تُخْضِعُهُ لأعراف الجماعَة، أو لنظام المُؤسَّسة، قائمةً، أو ذات جدوى. فالشِّعرُ صارَ نَفَساً حُرّاً، وَثائِر لا وَثيرَة واحدة. عزفٌ تتناوُبُ آلاتٌ مُختَلِفَة على إيقاعاتِه. الأُذُنُ التـي كانت مَصْدَرَ تَقَبُّلٍ، لم تعُد تكفي في فَهمِ ما يجـري، للعين كما لِلِّسـانَ، و لِباقي الحواس، دَوْرٌ في التقاط تفاصيلِ اللَّحن.

المزيد


قابس..آخر الملائكة

يناير 22nd, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

قابس..آخر الملائكة
( بحث نظري في أرشيف الوجدان الضائع لسيدي علي الشاوي)
 
 
شعيب حليفي
 
ملتقى مغاربي
 
لم يعد أمام الفجر من خيار، أو من حقيقة أخرى ، غير الارتماء في أحضان ألفته الخالدة ، احتماء بها من ثقل الظلام  وفداحة البرودة القاسية وقد طوحت بي بعيدا ، حيث صوتي لم يعد  صوتي ، بل شريانا من دمي ، أكلم به نفسي فيخدش صمتي  لتطلع منه أبخرة  حارة ، لو قشرتها لوجدت دمي الضائع  مند قرون .هكذا رأيت الأشياء وعشتها في وصولي الأخير  إلى مدينة قابس بتونس ، متأخرا وقد لف الظلام لفاته بإتقان  على رأسه، متدثرا بأمطار دسمبر.
 
     رأيت كل شئ ينمو ويعلو في قابس ذات الأبراج النورانية ، لا يراها ولا يطلع إليها غير الطهرانيين ممن آمنوا بالفجر والمطر..مثلي بالتأكيد ، فأنا أشعر بكوني آخر عشاق الفجر الملفوف في المطر.
 
    قلت في نفسي ما نسيته قبل تذكره، وكنت وحدي دونما شعور بذلك ، ولكني أشرت لنفسي بأن أهتم لكل ما سيأتي .فقد اجتمعنا ، ونحن بقابس ، في ملتقى مغاربي للبحث والتناظر حول ثلاثة أيام ضائعة في رحلة سيدي علي الشاوي إلى قابس سنة 1781 أي قبل قرنين  وعقدين  وسنتين وسنتين وسنتين، لا أحد يعرف عنها شيئا ، حتى أن جميع مؤرخي البلاد التونسية والمغربية ، ومؤرخ الشاوية ومرافق سيدي علي وكاتبه الشيخ الهبطي ،أسقط تلك الأيام وسكت عنها سكوتا مريبا، ولم تفضحه غير جملة مرمية في سياق عابر يقول فيها : وبالبلاد التونسية قبل دخول البلاد الجزائرية سيقبس نور شاخد بقلب سيدي علي ويهز وجدانه هزا لم يفق منه ثلاثة أيام قابسيات  خالدات.
               
    وفي إشارة متأخرة ذكر انه سيعود ،  في كتابه الذي خصه للوقائع والأخبار ولم يستدل على وجوده أبدا حتى الآن، إلى الحديث عن  سحر القبس الذي ألهم الشاوي.
 
 (علي الشاوي، جدي الأكبر الذي حكم الشاوية لثلاثة عقود منذ 1768 إلى أن قتل غدرا .أما الشيخ الهبطي ، فهو فقيه ومؤرخ واليد الروحانية اليمنى للشاوي .وهو من أنقذ السلالة من الموت بعد  الواقعة ، بفراره ، رفقة عائلة سيدي علي ، متخفيا….).
 
ورقة عمل بريئة
 
   (  يجمع المؤرخون على أن مدينة قابس أسسها الفينيقيون ثم ورثها عنهم القرطاجيون في القرن الثاني ق.م.وفي الحرب البونيقية الثانية ستصبح تابعة لروما وعرفت باسم تاكابي وقد ذكرها أبوليوس في أعماله. 
    بنيت على سواحل الخليج القابسي ( بحيرة تريتون كما يسميها هيرودوت) . وقد تمتعت بدستور المعمرة واستفاد سكانها بحقوق المواطنة الرومانية ، وثبت أيضا أن المدينة كانت في عهد الرومان وقبله مركزا من أهم المراكز الاقتصادية لجودة مناخها وموقعها الجغرافي .
   فتح المسلمون قابس بين 654 و660 م وألحقت في العهد الإسلامي الأول بالقيروان واعتبرت في العهد الأغلبي المنطقة الثانية في الأهمية بعد القيروان بفضل إنتاجها الزراعي والصناعي وخيراتها المصدرة شرقا وغربا ،بالإضافة إلى امتدادها العمراني.
 بلغت قابس في العهد الصنهاجي  972 م- 1097 م قمة ازدهارها وخاصة في عهد المعز بن باديس. ثم تراجعت مع قدوم الهلاليين إلى أن استرجعها تميم بن المعز صاحب المهدية.
استقل بها بنو جامع سنة 1097 م وبنوا بها عدة معالم عمرانية ضخمة مثل قصر العروسين وجعلوا من بلاطهم ناديا للشعراء والعلماء والكتاب ثم خضعت إلى حكم الموحدين بين 1160 و1228 م وتلاهم عهد بني مكي (1228م -1349 م ).  وستسترجع المدينة استقرارها بصفتها ولاية حفصية  (1394 م-1535م)
 
ومع دخول الحماية الفرنسية إلى البلاد التونسية سنة 1881أصبحت قابس موقعا عسكريا إلى أن احتلها الألمان في سنة 1940 وبعد ثلاث سنوات ستدمر بصفة شبه تامة ويعاد بناؤها مع نهاية الحرب العالمية الثانية.)
 
   جئت من أجل البحث في تخمينات ضائعة لجدي الأكبر ومؤسس المدنية الحديثة بالشاوية والمغرب الأقصى، وقد رافقني أربعة من نفائس الأصدقاء :عمي المعاشي ، عبدو الفيلالي ، الحبيب ع.س.ربي،سعيد الراقي  .
     كنا خمسة من الأقصى ، وجاء من كل البلاد التونسية عدد كبير من العلماء والباحثين والمتتبعين يشاركوننا هذا البحث ويعربون لنا عن حبهم لجدنا .
 
     لم يكن أي منا يحمل فكرة عما كان ووقع في الأيام الثلاثة  التي قضاها علي الشاوي بقابس؟ وعلينا أن نعيد تركيب كل الجزئيات والتفاصيل وتشفير الحدوس والتخمينات .نشتغل على الحقائق والتخييلات بنفس المستوى ، لذلك افتتح اللقاء  بكلمة مستفيضة للشيخ عمي المعاشي ، كبير الحكائين، والذي قال بأن سيدي علي خرج في أول دسمبر من سنة1781.في جولة روحانية من قصبته العامرة بالشاوية إلى واحة قابس التونسية .قبيل فجر الثالث من دسمبر ، فتح عينيه وهو مذهول .. ولم يكن قد نام سوى ساعة واحدة بعد سهرة طويلة مع الهبطي …الذي ما زال منزويا في ارتخاءاته الليلية يدخن شقوف الكيف،أعواد كتامة .
 
    قام الشاوي .. ولما أراد الهبطي القيام مثله سقط .عاد مقرفصا بجواره ثم قال له بلغة الحسم :"سنرحل بعد ساعة واحدة شرقا .نفس الحلم أراه منذ أربعين ليلة  يأمرني بالرحيل  دون توقف،  شرق الروح، ولن أنزل عن بغلتي حتى يأذن الله بذلك .جهز البغال والمؤونة وعشرة من الرجال الشداد واكتم الخبر ..وقل للنساء إنني ذاهب لتفقد أحوال بلاد الشاوية ".
 
    أغرت الأمطار الكثيرة علي الشاوي ، فالجميع مختبئ  وهادئ ولا خوف من أي شئ طارئ.هيأ كل شئ وانطلق مستعينا بالصوم  والصمت ، لا يتوقف إلا لقضاء حاجة  أو تغيير بغلته، ثم يواصل المسير ليل نهار دون توقف .
 
    وبعد سبعة أيام وليال ، بين الواحة والبحر ، الأرض والسماء .. توقفت بغلته وحرنت فالتفت إلى الشيخ الهبطي وقال :"هنا ذاب ذهولي" .
سألوا فعرفوا أنها بلاد قابس من البلاد التونسية.
 
برشة برشة.. يا تاكابي؟
     الغروب في تاكابي/ قابس وهم وتعود، مثل البحث في تخمينات جرت في هذه الأرض المقدسة  التي قيدها الشيخ الهبطي أرضا حرة . واعتبرها أرض رسالات الأحرار.
    في كل مرة ونحن نناقش، كنت أحس بانتعاش لذيذ وغريب .بوجه اليقين الثمل  بالاحتمالات ، بكلما ، بربما ، بلكن وحيثما .ألفة باذخة مع المكان وتواريخه المردومة .
 
     قال بعض البحاثة في خطاب التخمين أن سيدي علي الشاوي أغرم  بامرأة ذات قامة زبدية  وتزوجها ..وفي الأيام الثلاثة لم يكن ير أحدا، فقط وجهها النوراني .فخمنت أنها ارتمت على روحه ، وكان الظلام قد لان .نظر إليها بامتنان عظيم ، وكل حين كان يعض على  شفتيه ويتأمل كل الفواكه المحيطة بها …في روحها  وفي الرمان …آنذاك رميت يدي ( بل هو من رمى ، أنا فقط أتخيل )رمى ورميت إلى الخصر فلم أجد ما يعيق اللمس ، ثم في ذهول رباني رفع رأسه إلى السماء وقد علته كل الدهشات الضائعة  من ايتاكا كلكامش إلى تاكابي / قابس إلى تامسنا / الشاوية.
 
    قال وقلت وراءه : ربي الحياة حق وأنت الحق القيوم .ربي هذه ألفتي ورماني .ربي لا تحرمني من فواكه دنياك ولا تمتني واجعلني خالدا في سلالاتي .إنني في جنتك .
 
   لا يكفي  تمثل ما جرى ..بل علي الإحساس به .من أكون ؟وكيف لهذا الدم الساخن الذي ألهب وجداني  وهز مشاعر أمة الشاوية كلها أن يجري كل هذه السنون في دمي ، طاهرا عفيا ؟.
قلت لأصدقائي: إننا نحيا  ملتقى من أبهى الملتقيات.
    ثم قلت إننا هنا منذ أزيد من قرنين  خلت.. ننتظر هذا اليوم  لنفصل في تخميناتنا المؤجلة.  
 
 مثل الندى ..       
كان الندى على غير عاداته  منذ الأزل ، دافئا ، يهبط على قابس في غنج وانبهار .يتلمس الأرض العطشى ثم ينخطف ليعلو هاربا ، في دلال مداعب ومستمر ، وفي انخطافه الروحاني اثمل بتلك اللمسة،  فينقسم من  حب دافق يشقه ، ليعود  مثل عداء رشيق اختزن كل انتصاراته ليهبط الأرض بسلام مستسلما  آمنا ينساب ويذوب …ولا أحد  يعرف منذ أن خلق الله الأرض والمطر  من يذوب في الآخر .
 
     رابت أشواقي ،تتفتت تذوب وتتفكك في جذبتها وتمرغت وأنا في كدية قابس أتصبب عرقا ،بعينين مغمضتين أرى ، سيدي علي ، هناك في ربوته الخالدة بالجنة ،محاطا بكل فواكه الزمان .يبتسم وأنا أتمرغ بحثا عن استجماع فتاتات أشواقي .
 
     صوت ينهمر من بعيد ، من هنا أو من هناك ، لم أستطع تحديد مصدره ، ولكنه نفاذ  روحاني وطاهر ، يخترقني….أغاني قديمة بموسيقاها الحارة ، والعلو الفادح الذي لا تشده حبال امرأة أو رجل احرش…
تمهلت وخف عني صبيب العرق  وأرخيت سمعي :
  كانت تغني :"نموت عليك بالحديد الماضي …واللي دواو ما هموني ".
 
    كان جدي يضحك حتى خلتني أسمعه وسط قولها الجريح:" الشعر كحل غمرة ملوية " ، وعيناها غيمتان تسقيان روحي صباح مساء. "الرقبة ، سبولة كتامية "، أحضنها وأدق بماء روحي  أعوادها  للتكييف .ورمانتاها "عسة وطنية " وساقاها "شمعة مكدية" .
   
    قام جدي ،هناك.فسعيت إلى استجماع ذراتي ، ونهضت ثم عدت فربت  أبحث وسط التراب المعجون بعرقي وروحي ، عن مشاعري ووجداني التي ذابت وتسربت إلى الأودية  الجوفية ترحل في عمق الأرض خالدة في الأزل المظلم.
 
    قالت:" اللي بغا الله  بغيناه   …الشاوي يزند عشقو ويزيد عليه ".
آنذاك عادت إلي روحي ، وطلعت من دمي خمائر وجداني ، "مشيت وجيت ..وما فاقت بيا /الفراق صعيب ..والولف زاد ما بيا".
 
    استقمت في وقفتي الأبدية ، فتحت يدي  على طريقة المصلوب – وأنا المسلم المؤمن التقي الورع- أريد معانقة أرواحي التي سكنتني منذ سقوط عقبة ،ولم ينهض وهو يتذكر الأغاني القديمة.
 
عتاقة الزعفران..
 
    تخيلت جدي ، المقدس ، مؤسس أحلامنا  وتناقضاتنا ،لما كان بقابس ،دندن بكلام اعتبروه شعرا ، و

المزيد


مع أنثى … ومن دونها

يناير 20th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

مع أنثى … ومن دونها
قصيدة للشاعر البحريني: مهدي سلمان

مَضَت، ولا كلمةٌ في الروحِ
لا حلمٌ يشيرُ لي اخرج إلى منفاكَ
لا وطنٌ أُنفى إليه..

مضت

لولا جنوني لأدركتُ الذي ارتبكت
فيهِ الحكايةُ
مرّغتُ الكلامَ

على نومي..
مضت

وأنا
قومٌ سُكارى،
يمدّونَ الضجيجَ على ليلٍ،
ويبكونَهُ سرّاً

ينادونني..
هاتِ النبيذَ، ولا كأسٌ لأسكبني فيه..
مضت..
ومضت


للحكايةِ وجهانِ،
ما قُلتُه لي حينَ ندمتُ
وما لم أقلهُ لها
ينضجُ الندمُ المرّ
أبطأ من نُضجِ وهمِ مغازلةٍ
مع عينينِ مثلُ اللتينِ التقيتُ
كأنّهما إصبعانِ تشيران (ماذا تريدُ؟)
فهل كانتا تعرفان الجوابَ؟

المزيد


عاريا. فقط حاول أن تعيش كريما

سبتمبر 21st, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

عاريا. فقط حاول أن تعيش كريما

 

أحمد الكبيري

لأني أنتمي إلى مدينة وزان ، التي تتميز كالعديد من المدن المغربية العريقة بحضور طاغ للعائلات الكبيرة والأنساب الشريفة، اكتشفت صغيرا معنى أن تكون فقيرا وبلا شجرة أنساب عريقة. ولكن صغيرا أيضا اكتشفت أني أحمل في دمي جينات أثبتت تحاليلها في مختبرات الحياة، بأنها جينات تنحدر من سلالة كريمة أبية تموت واقفة كسنديانة فارهة، لا تعبأ لأي هبوب… ولذلك وجدتني دائما متى أتيحت لي فرصة الحديث، في مجمع ما، عن نسبي أقول في سخرية مؤلمة:” أنا من سلالة نايضة بلا جدر”. وأتمم وأنا أقهقه على نبتتي التي تزهر بلا جذور:” كيف تكون لك جذور وأنت حبل معرفتك بأصولك ينقطع عند جدك الأول لأبويك، مثلك مثل نهر” درعة”، كلما انحدرت في جريانك إلى الوراء قليلا، تقطعت حبالك وجفت عروقك وابتلعتك متاهات رمال الصحراء المتحركة؟” فأنا بصدق، كل ما أعرفه عن سلالتي، هو أن أجدادي كانوا يشتغلون بالزراعة ورعي الغنم والماعز ويضحكون كثيرا… ببساطة، يضحكون لأنهم لا يكفون عن تدخين الكيف والسخرية من قدرهم وعاهاتهم. فهم دائما محششين يسبحون في خيالات واستيهامات تجعلهم في الكثير من الأحيان لا يكترثون لقساوة الحياة.
نعم، صغيرا في “المسيد ” لاحظت أن بعض الأطفال كانوا يحفظون القرآن معي، تبتدئ أسماؤهم بسيدي… فصبي ينادى عليه مثلا بسيدي أحمد وأنا مجرد أحمد ، وأبوه ينادى عليه بمولاي التهامي وأبي مجرد التهامي. ساعتها، أيقنت أن أحمد وأباه، من عامة الناس، وأن سيدي أحمد وأباه من الشرفاء. وهذه الإشارة، كانت هي المنبه الأول لوعيي بأنه علي ألا أغالط نفسي، ما دمت أنتمي إلى مجتمع يميز بين أطفاله. قد تكون الأجمل والأقوى والأذكى، لكنك مجرد أحمد بن التهامي بن أحمد فقط. إنك من سلالة الرعاع. الذين يمخطون ويتغوطون في الطرقات، وينكدون العيش على أسيادهم الشرفاء. كيف لا تكون من سلالة الرعاع، وأنت بمجرد ما تهم بالنبش في أصولك حتى تلوي عائدا ويدك على فمك تخنق قهقهة عظيمة. لقد خضنا ذات يوم أنا وأحد أبناء عمومتي في سيرة أصولنا، فحكى لي نكاية بي وبهذه الالتفاتة مني نحو شجرة الأنساب، والتقليد عليه، بأننا ننتمي إلى فصيلة تضع قدمها في النار ولا تحترق، بل لما تلتهب تلك القدم يصير كيها شفاء لعلل كثيرة. و حكى لي أيضا، بأن جدتي الله يرحمها، تلك التي ملأت مخيلتي وذاكرتي بالأحاجي والأزليات لم تكن، بعد أن مات جدي في عام البون، تملك من متاع الدنيا إلا إبريقا صغيرا، تضعه عند رأسها، في الليل تتبول فيه وفي النهار تحضر فيه الشاي. فقلت له وأنا أكاد استلقي على قفاي من الضحك:” وسلالة تبارك الله هذه ننتمي إليها؟”
أما أبي فحكي لي أنه لما مات أبوه، والمجاعة منتشرة هي والقمل بشكل فظيع، لم يكن يتجاوز الثامنة من عمره. وكي يعيل نفسه وأمه على حداثة سنه، خرج المسكين” رأس المحن” للحياة ليشتغل راعيا، ومياوما، ثم فلاحا صغيرا. إلا أنه رفض رفضا باتا أن يشتغل ولو ليوم واحد خماسا عند أحد. فضل أن يحرث تلك القطعة الصغيرة من الأرض التي تركها له أبوه


المزيد


دع عصافيرك تغرد على أشجاري

سبتمبر 2nd, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

دع عصافيرك تغرد على أشجاري

قصيدة للشاعر عبد الرحيم الخصار

ليس من عادتي الصيد
في المياه العكرة
ليس من عادتي أن أضع أقدامي في الوحل
أو أمد يدي إلى شجرة خارج ضيعتي
أعرف أن ملاكين يسيران معي
و يسهران حين أنام
لذلك أخجل كلما أخطأت
و تتنمل أطرافي
حين تتسرب فكرة الموت إلى حجرتي
و أراني بمفردي وسط الظلام
لقد استعصت علي الفكرة
كيف سأبقى وحيدا في ذلك الأخدود الضيق؟
لن يكون معي الأصدقاء الذين ألفتهم
لن أغير ملابسي أو أصفف شعري أمام المرآة
لن أشرب أقداح الشاي
و أنا أرنو إلى السماء من نافذتي
لن تكون أمامي طاولة و حزمة أوراق
أوه! لن أكتب أشعارا كالعادة
سأنام على يميني و على يساري
سأستلقي على الظهر و ربما أجلس القرفصاء
سأواري عيني تحت الساعدين
و أجهش بالندم
غير أن صوتي لن يصل مسامع الرفاق القدامى
و الخطايا التي لطخت ملابسي لن يغسلها البكاء

أنا لم أجلس يوما في حانة
لم اكتب قصائد عارية
و لم أكن وقحا
في حضرة من أسدى إلي هاته الكلمات
من عادتي أن أسهر مع الشعراء الميتين

لذلك لا أستيقظ لصلاة الفجر
لكني أدبر أمري مع ما تبقى من صلاة
أحببت الفقراء و تصدقت بأحاسيسي الطيبة
كنت أوقف شرائط الموسيقى حين أسمع الآذان
و ألهج باسمك في السفر و النوم و الخلاء
غير أني تدحرجت على ربى النهارات و الليالي
بقلب خفت فيه موازين الإيمان
ورعي أهش من جناح فراشة
و نظري إلى كتابك أقصر من نظري إلى الروايات
كانت صلاتي خاملة
و خطواتي إلى بيوتك تتعثر بأقدام الشيطان
لكني كنت أدرك أنك إلاهي
و أني م

المزيد


حول سحر كرة القدم

أغسطس 22nd, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

حول سحر كرة القدم


محمد أحمد بنيس

لا نبالغ إذا قلنا أن كرة القدم تشكل ظاهرة فريدة صاحبت المجتمعات المعاصرة على اختلاف انتماءاتها الثقافية واللغوية والدينية والجغرافية. فليست هناك رياضة لها هذا التأثير السحري والغريب على الأفراد والجماعات والشعوب مثل كرة القدم. فالانفعالية القصوى والمثيرة التي تواكب المباريات، خصوصا الحاسمة منها، تجعلنا بالفعل أمام ظاهرة تكاد تكون ثقافية بالمعنى الأنثروبولوجي بحيث تخترق كل التمايزات والاختلافات والحدود، وتتحول إلى ما يشبه أسطورة تغذي حاجتنا إلى نوع من الإمتلاء الذي يبدو عصيا على الفهم والتوصيف.

-1-
ترجع علاقتي بكرة القدم إلى نهاية السبعينات، فمنذ أول مباراة شاهدتها على الشاشة الصغيرة ، والتي لا أذكرها ، لم تتوقف هذه اللعبة عن شد انتباهي ، وأحيانا كثيرة أعصابي ، لما فيها من سحر وجمالية وفرح وحزن. في مدينة تطوان (ومعها باقي مدن الشمال) تشكل متابعة الليغا (
البطولة الإسبانية( طقسا إستثنائيا بكل المقاييس . فقلما تجد أحدا يقف موقف المحايد من الصراع التقليدي بين الريال والبارصا. لا بد من إختيار أحد المعسكرين لتكتمل الهوية الكروية للشخص. كنت ولا زلت من محبي البارصا الذي يمثل في المتخيل الكروي الإسباني ، أو على الأقل جزء منه، ذلك الكبرياء وربما التمرد الذي تعبر عنه المناطق والأقاليم الإسبانية في مواجهة المركزية السياسية والإدارية التي تعبر عنها مدريد كرويا من خلال فريقها الأبيض.
قبل سنتين أو ثلاث، على ما أذكر، زار طاقم صحفي إسباني بعض مدن الشمال لإنجاز روبورتاج عن الإنطباعات والأجواء المصاحبة للقاء الذين كان سيجمع الغريمين الكبيرين في الكرة الإسبانية. وكم كانت دهشة الصحفيين الإسبان وهو يقابلون أناسا يختزنون بين حناياهم ما يشبه الذاكرة الكروية للريال والبارصا. أناس عارفون بخبايا جزء كبير من التاريخ الكروي الإسباني، سواء تعلق الأمر باللاعبين الذين تعاقبوا على اللعب، خصوصا لهذين الفريقين، أو بالمباريات التاريخية الحاسمة بكل تفاصيلها. ورغم أن حمى الريال والبارصا قد انتقلت، مع تزايد وانتشار القنوات الفضائية، إلى عدد كبير من المدن المغربية، إلا أنها
تبدو لي، بشكل ما ، مفتقدة لحرارة أو لجذور ما. لست أدري، لكن هكذا يبدو لي الأمر، وأنا أشاهد وأرصد هذه “الحمى الباردة ” في مدينة الرباط حيث أعمل.
في نفس الفترة تقريبا (نهاية السبعينات وبداية الثمانينات) كانت هناك انعطافة أخرى للارتباط أكثر بالكرة الإسبانية. يتعلق الأمر بـ “الصوبري” /  ، وهو عبارة عن مظروف كنا نشتريه بدرهمين إن لم تخني الذاكرة.وكان يحتوي على أربع صور، على ما أذكر، للاعبين يلعبون لفرق مختلفة في الليغا. ولم يكن الأمر يتوقف عند هذا الحد. بل كان كل واحد منا، نحن الأطفال آنذاك ، يقامر بما لديه من صور لعله يضيف إليها صورا أخرى. وقد تتم مقايضة، مثلا
، صورة للاعب كبير بعدد قد يصل إلى عشر صور للاعبين عاديين . كان بإمكان أحدنا أن يدفع مقابل صورة “مارادونا ” ، الواصل آنذاك إلى البارصا بعد مونديال 1982، أو صور
المزيد


جائزة بوكر للرواية العربية

أغسطس 20th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , ضيوف المدونة

في الدول المغاربية

 الروائيون الشباب متحمسون لكنّ دور النشر مرتبكة

 

الرباط – من عبد الرحيم الخصار

 

يبدو أن أصداء جائزة "بوكر" للرواية العربية في المغرب والجزائر وتونس وليبيا هي أقل وقعاً من الأصداء المصرية واللبنانية والسورية، وذلك راجع بحسب الاستطلاع الذي قمنا به إلى سبب رئيسي هو الحكم المسبق، المباشر او الضمني، عند الغالبية بكون هذه الجائزة ستعود في النهاية إلى اسم معروف في مصر او لبنان. طبعاً، يوازي هذا الاحتمال إحساس مضاد يغلفه الأمل بأن الرواية التي ستحظى بـ"بوكر" هي الرواية العربية التي تستحق فعلا، بمعزل عن انتماء كاتبها الجغرافي، وتدعم هذا الإحساس التشكيلة المتنوعة لأمانة سر الجائزة إضافة إلى مشروعية "بوكر" في أصلها البريطاني.

بحسب إحصاءات الكتب المرشّحة، فإن مشاركة الروائيين المغاربيين مرتفعة في الجائزة، وهذا شأن لافت، لأنه نادرا ما تصل تأثيرات مبادرة أدبية تأسست في المشرق العربي الى المغرب العربي بهذا القدر من التوسّع. في ليبيا علمنا أن الروائي المعروف ابراهيم الكوني هو أبرز المرشحين هذه السنة للجائزة، وقد رشحته طبعا المؤسسة العربية للدراسات والنشر التي تنشر كتبه. رواية "القوقعة" للكاتب عبد الله الغزال رشحتها "مؤسسة الانتشار العربي". الروائي الأريتري المقيم في ليبيا أبو بكر حامد تم ترشيح روايته "رائحة السلاح" من طرف مجلة "المؤتمر" الليبية. وأصدرت نجوى بن شتوان روايتين، لكن دور النشر المصرية لم ترشحها، لذلك أخبرتني أنها ستنشر السنة المقبلة رواية في ليبيا حتى تتمكن من الترشح للجائزة.

الروائي الليبي محمد الأصفر أعرب عن فرحه بمثل هذه المبادرات مؤكدا أنه سيكون سعيدا بمنافسة جمال الغيطاني وابراهيم الكوني وسواهما من كبار الروائيين العرب: "بعدما تمّ نشر الإعلان عن الترشح لجائزة بوكر العربية قرأت الشروط وعرفت أن هذه الجائزة تحت إشراف جائزة بوكر العالمية البريطانية المهيبة فاتصلت بناشري نبيل مروة في "مؤسسة الانتشار العربي" بيروت وطلبت منه ترشيح روايتي "سرّة الكون". واشتركت في هذه الجائزة لأفتح الطريق أمام أدبي ليحلّق في جميع أنحاء العالم ولأكسر طوق الرقابة االذي تفرضه على رواياتي جميعها رقابة المطبوعات الليبية، وأنا واثق أن ما أكتبه أدب حقيقي وعالمي". وحين سألت الأصفر عن النتائج المتوقعة وعن صدقية "بوكر" في نسختها العربية أجاب: "عند ظهور النتائج ومعرفة الروايات المشاركة جميعها ستتضح صدقية هذه الجائزة من خلال الرواية الفائزة وقيمتها الأدبية وما فيها من جديد وأيضا الروايات الست التي تصل معها الى القائمة القصيرة".

في تونس وجدنا أن دور النشر، على قلتها، تفاعلت مع الحدث، وقد يكون أبرز الروائيين المرشحين فتحية الهاشمي في "حافية الروح" ونور الدين العلوي في "المستلبس" وكمال الرياحي في "المشرط"، وسواهم كتّاب آخرون، من أمثال ناجي الفندري وعبد الجبار العش وحفيظة بيبان والأزهر الصحراوي. ويرى الشاعر العراقي شاكر لعيبي أستاذ تاريخ الفن وسيميائيات الصورة في جامعة قابس التونسية أن هناك روايتين مهمتين هما الأجدر بالجائزة، الاولى "المشرط" لكمال الرياحي، والثانية "الدراويش يعودون الى المنفى" لابراهيم درغوثي.

حين سألت لعيبي عن رأيه في "بوكر" العربية قال: "الموضوع مغرٍ تماما، وهي توحي لنا اليوم أن ثمة اهتماما جادا بالأدب العربي يمر من

المزيد


التالي