قابس..آخر الملائكة
( بحث نظري في أرشيف الوجدان الضائع لسيدي علي الشاوي)
شعيب حليفي
ملتقى مغاربي
لم يعد أمام الفجر من خيار، أو من حقيقة أخرى ، غير الارتماء في أحضان ألفته الخالدة ، احتماء بها من ثقل الظلام وفداحة البرودة القاسية وقد طوحت بي بعيدا ، حيث صوتي لم يعد صوتي ، بل شريانا من دمي ، أكلم به نفسي فيخدش صمتي لتطلع منه أبخرة حارة ، لو قشرتها لوجدت دمي الضائع مند قرون .هكذا رأيت الأشياء وعشتها في وصولي الأخير إلى مدينة قابس بتونس ، متأخرا وقد لف الظلام لفاته بإتقان على رأسه، متدثرا بأمطار دسمبر.
رأيت كل شئ ينمو ويعلو في قابس ذات الأبراج النورانية ، لا يراها ولا يطلع إليها غير الطهرانيين ممن آمنوا بالفجر والمطر..مثلي بالتأكيد ، فأنا أشعر بكوني آخر عشاق الفجر الملفوف في المطر.
قلت في نفسي ما نسيته قبل تذكره، وكنت وحدي دونما شعور بذلك ، ولكني أشرت لنفسي بأن أهتم لكل ما سيأتي .فقد اجتمعنا ، ونحن بقابس ، في ملتقى مغاربي للبحث والتناظر حول ثلاثة أيام ضائعة في رحلة سيدي علي الشاوي إلى قابس سنة 1781 أي قبل قرنين وعقدين وسنتين وسنتين وسنتين، لا أحد يعرف عنها شيئا ، حتى أن جميع مؤرخي البلاد التونسية والمغربية ، ومؤرخ الشاوية ومرافق سيدي علي وكاتبه الشيخ الهبطي ،أسقط تلك الأيام وسكت عنها سكوتا مريبا، ولم تفضحه غير جملة مرمية في سياق عابر يقول فيها : وبالبلاد التونسية قبل دخول البلاد الجزائرية سيقبس نور شاخد بقلب سيدي علي ويهز وجدانه هزا لم يفق منه ثلاثة أيام قابسيات خالدات.
وفي إشارة متأخرة ذكر انه سيعود ، في كتابه الذي خصه للوقائع والأخبار ولم يستدل على وجوده أبدا حتى الآن، إلى الحديث عن سحر القبس الذي ألهم الشاوي.
(علي الشاوي، جدي الأكبر الذي حكم الشاوية لثلاثة عقود منذ 1768 إلى أن قتل غدرا .أما الشيخ الهبطي ، فهو فقيه ومؤرخ واليد الروحانية اليمنى للشاوي .وهو من أنقذ السلالة من الموت بعد الواقعة ، بفراره ، رفقة عائلة سيدي علي ، متخفيا….).
ورقة عمل بريئة
( يجمع المؤرخون على أن مدينة قابس أسسها الفينيقيون ثم ورثها عنهم القرطاجيون في القرن الثاني ق.م.وفي الحرب البونيقية الثانية ستصبح تابعة لروما وعرفت باسم تاكابي وقد ذكرها أبوليوس في أعماله.
بنيت على سواحل الخليج القابسي ( بحيرة تريتون كما يسميها هيرودوت) . وقد تمتعت بدستور المعمرة واستفاد سكانها بحقوق المواطنة الرومانية ، وثبت أيضا أن المدينة كانت في عهد الرومان وقبله مركزا من أهم المراكز الاقتصادية لجودة مناخها وموقعها الجغرافي .
فتح المسلمون قابس بين 654 و660 م وألحقت في العهد الإسلامي الأول بالقيروان واعتبرت في العهد الأغلبي المنطقة الثانية في الأهمية بعد القيروان بفضل إنتاجها الزراعي والصناعي وخيراتها المصدرة شرقا وغربا ،بالإضافة إلى امتدادها العمراني.
بلغت قابس في العهد الصنهاجي 972 م- 1097 م قمة ازدهارها وخاصة في عهد المعز بن باديس. ثم تراجعت مع قدوم الهلاليين إلى أن استرجعها تميم بن المعز صاحب المهدية.
استقل بها بنو جامع سنة 1097 م وبنوا بها عدة معالم عمرانية ضخمة مثل قصر العروسين وجعلوا من بلاطهم ناديا للشعراء والعلماء والكتاب ثم خضعت إلى حكم الموحدين بين 1160 و1228 م وتلاهم عهد بني مكي (1228م -1349 م ). وستسترجع المدينة استقرارها بصفتها ولاية حفصية (1394 م-1535م)
ومع دخول الحماية الفرنسية إلى البلاد التونسية سنة 1881أصبحت قابس موقعا عسكريا إلى أن احتلها الألمان في سنة 1940 وبعد ثلاث سنوات ستدمر بصفة شبه تامة ويعاد بناؤها مع نهاية الحرب العالمية الثانية.)
جئت من أجل البحث في تخمينات ضائعة لجدي الأكبر ومؤسس المدنية الحديثة بالشاوية والمغرب الأقصى، وقد رافقني أربعة من نفائس الأصدقاء :عمي المعاشي ، عبدو الفيلالي ، الحبيب ع.س.ربي،سعيد الراقي .
كنا خمسة من الأقصى ، وجاء من كل البلاد التونسية عدد كبير من العلماء والباحثين والمتتبعين يشاركوننا هذا البحث ويعربون لنا عن حبهم لجدنا .
لم يكن أي منا يحمل فكرة عما كان ووقع في الأيام الثلاثة التي قضاها علي الشاوي بقابس؟ وعلينا أن نعيد تركيب كل الجزئيات والتفاصيل وتشفير الحدوس والتخمينات .نشتغل على الحقائق والتخييلات بنفس المستوى ، لذلك افتتح اللقاء بكلمة مستفيضة للشيخ عمي المعاشي ، كبير الحكائين، والذي قال بأن سيدي علي خرج في أول دسمبر من سنة1781.في جولة روحانية من قصبته العامرة بالشاوية إلى واحة قابس التونسية .قبيل فجر الثالث من دسمبر ، فتح عينيه وهو مذهول .. ولم يكن قد نام سوى ساعة واحدة بعد سهرة طويلة مع الهبطي …الذي ما زال منزويا في ارتخاءاته الليلية يدخن شقوف الكيف،أعواد كتامة .
قام الشاوي .. ولما أراد الهبطي القيام مثله سقط .عاد مقرفصا بجواره ثم قال له بلغة الحسم :"سنرحل بعد ساعة واحدة شرقا .نفس الحلم أراه منذ أربعين ليلة يأمرني بالرحيل دون توقف، شرق الروح، ولن أنزل عن بغلتي حتى يأذن الله بذلك .جهز البغال والمؤونة وعشرة من الرجال الشداد واكتم الخبر ..وقل للنساء إنني ذاهب لتفقد أحوال بلاد الشاوية ".
أغرت الأمطار الكثيرة علي الشاوي ، فالجميع مختبئ وهادئ ولا خوف من أي شئ طارئ.هيأ كل شئ وانطلق مستعينا بالصوم والصمت ، لا يتوقف إلا لقضاء حاجة أو تغيير بغلته، ثم يواصل المسير ليل نهار دون توقف .
وبعد سبعة أيام وليال ، بين الواحة والبحر ، الأرض والسماء .. توقفت بغلته وحرنت فالتفت إلى الشيخ الهبطي وقال :"هنا ذاب ذهولي" .
سألوا فعرفوا أنها بلاد قابس من البلاد التونسية.
برشة برشة.. يا تاكابي؟
الغروب في تاكابي/ قابس وهم وتعود، مثل البحث في تخمينات جرت في هذه الأرض المقدسة التي قيدها الشيخ الهبطي أرضا حرة . واعتبرها أرض رسالات الأحرار.
في كل مرة ونحن نناقش، كنت أحس بانتعاش لذيذ وغريب .بوجه اليقين الثمل بالاحتمالات ، بكلما ، بربما ، بلكن وحيثما .ألفة باذخة مع المكان وتواريخه المردومة .
قال بعض البحاثة في خطاب التخمين أن سيدي علي الشاوي أغرم بامرأة ذات قامة زبدية وتزوجها ..وفي الأيام الثلاثة لم يكن ير أحدا، فقط وجهها النوراني .فخمنت أنها ارتمت على روحه ، وكان الظلام قد لان .نظر إليها بامتنان عظيم ، وكل حين كان يعض على شفتيه ويتأمل كل الفواكه المحيطة بها …في روحها وفي الرمان …آنذاك رميت يدي ( بل هو من رمى ، أنا فقط أتخيل )رمى ورميت إلى الخصر فلم أجد ما يعيق اللمس ، ثم في ذهول رباني رفع رأسه إلى السماء وقد علته كل الدهشات الضائعة من ايتاكا كلكامش إلى تاكابي / قابس إلى تامسنا / الشاوية.
قال وقلت وراءه : ربي الحياة حق وأنت الحق القيوم .ربي هذه ألفتي ورماني .ربي لا تحرمني من فواكه دنياك ولا تمتني واجعلني خالدا في سلالاتي .إنني في جنتك .
لا يكفي تمثل ما جرى ..بل علي الإحساس به .من أكون ؟وكيف لهذا الدم الساخن الذي ألهب وجداني وهز مشاعر أمة الشاوية كلها أن يجري كل هذه السنون في دمي ، طاهرا عفيا ؟.
قلت لأصدقائي: إننا نحيا ملتقى من أبهى الملتقيات.
ثم قلت إننا هنا منذ أزيد من قرنين خلت.. ننتظر هذا اليوم لنفصل في تخميناتنا المؤجلة.
مثل الندى ..
كان الندى على غير عاداته منذ الأزل ، دافئا ، يهبط على قابس في غنج وانبهار .يتلمس الأرض العطشى ثم ينخطف ليعلو هاربا ، في دلال مداعب ومستمر ، وفي انخطافه الروحاني اثمل بتلك اللمسة، فينقسم من حب دافق يشقه ، ليعود مثل عداء رشيق اختزن كل انتصاراته ليهبط الأرض بسلام مستسلما آمنا ينساب ويذوب …ولا أحد يعرف منذ أن خلق الله الأرض والمطر من يذوب في الآخر .
رابت أشواقي ،تتفتت تذوب وتتفكك في جذبتها وتمرغت وأنا في كدية قابس أتصبب عرقا ،بعينين مغمضتين أرى ، سيدي علي ، هناك في ربوته الخالدة بالجنة ،محاطا بكل فواكه الزمان .يبتسم وأنا أتمرغ بحثا عن استجماع فتاتات أشواقي .
صوت ينهمر من بعيد ، من هنا أو من هناك ، لم أستطع تحديد مصدره ، ولكنه نفاذ روحاني وطاهر ، يخترقني….أغاني قديمة بموسيقاها الحارة ، والعلو الفادح الذي لا تشده حبال امرأة أو رجل احرش…
تمهلت وخف عني صبيب العرق وأرخيت سمعي :
كانت تغني :"نموت عليك بالحديد الماضي …واللي دواو ما هموني ".
كان جدي يضحك حتى خلتني أسمعه وسط قولها الجريح:" الشعر كحل غمرة ملوية " ، وعيناها غيمتان تسقيان روحي صباح مساء. "الرقبة ، سبولة كتامية "، أحضنها وأدق بماء روحي أعوادها للتكييف .ورمانتاها "عسة وطنية " وساقاها "شمعة مكدية" .
قام جدي ،هناك.فسعيت إلى استجماع ذراتي ، ونهضت ثم عدت فربت أبحث وسط التراب المعجون بعرقي وروحي ، عن مشاعري ووجداني التي ذابت وتسربت إلى الأودية الجوفية ترحل في عمق الأرض خالدة في الأزل المظلم.
قالت:" اللي بغا الله بغيناه …الشاوي يزند عشقو ويزيد عليه ".
آنذاك عادت إلي روحي ، وطلعت من دمي خمائر وجداني ، "مشيت وجيت ..وما فاقت بيا /الفراق صعيب ..والولف زاد ما بيا".
استقمت في وقفتي الأبدية ، فتحت يدي على طريقة المصلوب – وأنا المسلم المؤمن التقي الورع- أريد معانقة أرواحي التي سكنتني منذ سقوط عقبة ،ولم ينهض وهو يتذكر الأغاني القديمة.
عتاقة الزعفران..
تخيلت جدي ، المقدس ، مؤسس أحلامنا وتناقضاتنا ،لما كان بقابس ،دندن بكلام اعتبروه شعرا ، و
المزيد