خص الصديق رشيد برهون ديواني "كتاب الظل" بقراءة قيمة، نشرتها في مكان آخر من هذه المدونة، وضمنها كتابه "في ضيافة القصيدة" الذي قام الناقد الأدبي محمد معتصم بإنجار قراْة له، ووجدتها مناسبة طيبة أن أعيد نشر قراءة الصديق هنا نقلا عن موقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب
في ضيافة القصيدة؛ من تمحيص النقد إلى فعل القراءة

محمد معتصم الناقد الأدبي
من النقد إلى القراءة
يقترح علينا رشيد برهون في مدخل الكتاب طريقة لقراءة النصوص الشعرية بعيدة عن الدراسة النقدية المحتمية بالمناهج العلمية المتخفية وراء الإحصائيات الأسلوبية، والمصطلحات الغامضة، والتخطيط والرسوم البيانية، تلك الدراسات التي تتذرع بالعلمية لكنها تنسى النصوص التي تشتغل عليها وتهتم أكثر بتأكيد وجهات نظرها المنهجية، وإثبات قدرات مصطلحاتها على تفكيك النص واستغوار معانيه الدفينة واستخراجها للوجود
وما يقترحه رشيد برهون يتمثل في القراءة التي تهتدي إلى معاني وأبعاد النص الجمالية والوظيفية التعبيرية والشعرية بالاقتراب العاشق. ومحاولة الإنصات لنبض النص، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بوضع الناقد مكان الشاعر، والبحث عن منافذ خاصة لفهم ما يروم تقديمه الشاعر. إنها المغامرة والسير في المتاهة. لكن رشيد برهون استطاع رغم كل الانتقاد الذي وجهه للنقد الإحصائي والقائم على النزعة العلمية، قد قدم اقتراحا يستشف من تماثل المنهجية الضمنية في استقراء النصوص الشعرية. وتقوم طبعا باختيار منفذ رئيس يأخذه غالبا من عنوان الديوان. ولأن العنوان عتبة هامة لدخول النص، وعتبة قادرة إذا ما صيغ بدقة، على الإيحاء بمحتوى النص.
وانطلاقا من ذلك المنفذ يحاول تعميمه وتحويله إلى مهيمنة عبرها يتم توليد المعاني وتناسلها. ثم يتتبع خيط التأويل، والبحث له في النص عن شواهد نصية. إنها طريقة خاصة لكنها تتكرر في النصوص، مما يمنحها صفة المنهجية النقدية.
بهذا الاقتراح، وبتلك الخطوات يكون رشيد برهون أمام إعلان صريح في المدخل المقدماتي، إلى الانتقال من التمحيص والنقد إلى المتعة والقراءة العاشقة. أي أن كل ما سيقدمه في الكتاب لا يعدو سوى إنصات عاشق، يغلب القلب على العقل، والفهم على الاستغلاق، والقرب على البعد، التبسيط على التعقيد، والتعاطف مع النص بدل تفكيكه وتمحيصه.
ومفهوم القراءة القائم أساسا على التأويل والمشاركة الفاعلة بين الشاعر والناقد، يرتبط مع مفهوم الكتابة كنص مفتوح، يمتاح من مشارب عدة، ومن خلال مفهومي القراءة والكتابة المفتوحة ولد رولان بارت مفهوم لذة النص.
وما سأقدمه هنا لا يعدو أن يكون تتبعا للأثر النقدي، مهتديا بالقراءة العاشقة كاختيار، أتعاطف فيها مع الناقد أولا وأعرج على الشاعر ثم النص. وما دمت عاشقا فسأمنح قلمي أجنحة فرحانة حينا وقلقة حينا آخر حتى أرفرف حائما حول الحدائق التي يحفل بها الكتاب. وسأكتفي بحدائق الشعر المغربي.
إدريس الملياني والتصادي الصوتي
اختار رشيد برهون في قراءته لديوان الشاعر المغربي إدريس الملياني المميز بتجربته الممتدة من العقد الستيني حتى اليوم، في ديوانه "بملء الصوت" الدخول من منفذ "الصوت" كلفظ مهيمن وكخلفية متحكمة في التوليد الشعري. وقد جاء ذلك في صور متعددة استوحاها الناقد من النصوص ذاتها؛ فهناك الصوت كنقيض، ليس معجميا بل توظيفا شعريا. أي أن تكرار لفظ الصوت في القصائد لم يكن يراد منه الاحتفاء بالضجيج وإعلاء العقيرة بالصراخ، بل الاحتفاء بالصمت. لأن نقيض الصوت الصمت. الصمت الذي يخلفه الموت، فقد الأحبة وتحولهم من الفعل إلى القوة، انتقالهم من ضجيج العالم الآثم وحلولهم بالأبدية المطلقة حيث الصفاء والنقاء. مما منح القصائد طابع الاحتفاء بدل طابع الرثاء.
وجاء الصوت بمعنى التصادي الصوتي. حضور الموروث، والمحفوظ والمقروء الشعري. وتسربه بوعي أو بدونه إلى النص المستحدث. وما دام الشاعر إدريس الملياني قد حدد اختياره الشعري في الموزون، والممتد لقصيدة التفعيلة كما سادت في جيله. ولم تسعفه غير العبارة الموقعة الرنانة فقد كان من اللازم اللازب استدعاء قريحة الشاعر قرائح نهلت من المعين ذاته، ووردت المشرب ذاته. فكان الصوتُ امتدادا بعدما كان نقيضا.
وجاء الصوت صدى لصوت الذات. التفات في الضمائر. لعب تنتقل فيه القصيدة مترنحة سكرى بين ماء الداخل وهجير الخارج. تقول الذات نفسها كآخر. تستبطن الخفي الذي لا يرى. ومادامت الكلمات تنبئ بالأشياء. فإن الصوت ينبئ بالخفي الكامن غير المعلن. وهي تقنية في الكتابة وفي قول الشعر. حينما تصبح العبارة أضيق من احتمال الحريق. حريق المعنى. وحينما يصبح المعنى أوسع من الاحتواء وأبلغ من القول. حينما تفيض العبارة. وكأن الشاعر يكاد ينفرط من جلده. كما تكاد المعاني تنفرط من الألفاظ.
من هذه النافذة يتوغل الناقد في تجلية التعدد في الواحد. الشاعر الذي توحد في القول، وتعدد في صيغة المقول الشعري. وبذات الطريقة سيتعامل مع ديوان الشاعر سعد سرحان.
سعد سرحان وكتابة الأشياء الصغرى
وسعد سرحان يختلف من حيث الجيل ومن حيث الطريقة في قول الشعر عن إدريس الملياني، إلا أن طريقة قراءة الشعر لم تقم وزنا للاختلاف العمري ولا للتجربة الواقعية بل عمدت مباشرة إلى الائتلاف الروحي، والتقاء التجربة الشعرية المتحدية للحدود الظاهرة.
واختار الناقد رشيد برهون منفذا واحدا لكشف أسرار القصيدة لدى سعد سرحان، اهتدى إليه بعدما اكتشف الفروق الواضحة الفاضحة بين الشيء وصورته. بين الشيء الذي أصبح بفعل العادة لاشيء. أي بدون معنى. بدون روح. وصورته التي أبهتها البلى وتراكم القشور حولها. من هذه النقطة الحدودية يرى الناقد إلى الشعر، وفي هذه النقطة الحدودية يختبئ الشاعر محتميا من العادة، من الرتابة، من القشور، من اللامعنى، من العمى الذي يغشى العيون، ويلف البصر والبصيرة.
ومن مخبئه يقوم الشاعر بابتكار رؤيته للوجود، وللذات. وفي المخبأ نفسه ينصب الشاعر مرآة الوجود معكوسة مقلوبة حتى يس–ص-ير المعنى على قدميه كما كان قبل عصر الانكفاء. فالشيء ليس ذاته دائما. بل الشيء ما نبنيه في الخيال. ما نبنيه من الخيال. وكذلك المعنى، في مرآة الشعر، في مرآة الشاعر؛ ليس قولا على قول، ولا اقتفاءً. إنما المعنى في حد القول، الحد الأقصى للقول. الحد الذي لا تبصره إلا عين الشاعر الرائي. ظل المعنى. وكما أن للأحلام آثارا في النفس، كذلك للرؤى موقعا ووجودا في بصيرة الشاعر. فالأ
المزيد