فراس عبد المجيد: شاعر يصعد من القلب

أكتوبر 1st, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

جمال الموساوي


firas

فراس عبد المجيد،

بالنسبة لي ليس شخصا عاديا، فهو حين يتحدث يبتسم أيضا، وابتسامته تلك ابتسامة طفل ينظر بعين البراءة إلى الحياة. وعندما أنظر في أعماق قلبي أبحث عن الأحبة يكون فراس واحدا ممن يصعدون إليّْ. وإذا كنت مدينا لصدفة ما كما أزعم، فانا مدين لها لأنها أيضا حملتني ذات يوم ووضعتني على مكتبه في جريدة الميثاق الوطني سوادا على بياض يبحث عن نفسه في زحمة الكلمات.

وإذا كانت الكلمات متلعثمة في تلك البدايات قبل عشرين سنة فقد سهر على ألا يكون صاحبها عيا لا يتقن الكلام، وكان تبعا لذلك يكلف نفسه عناء القراءة وأيضا عناء القيام بما يلزم كي تستقيم الجملة وتكتسب شاعريتها. كان لا بد أن يفعل ذلك كي أدرك أنه ليس المهم هو البحث عن صور جامحة أو كلمات رنانة لتكون القصيدة أو ما كنت أعتقد أنه قصيدة قوية وجميلة، بل الأهم قبل ذلك هو محاولة إدراك العلاقة الممكنة بين لفظ وآخر للحصول على جملة مستقيمة شعريا تتضمن صورة، وذات معنى.

لهذا قلت إن فراس ليس شخصا عاديا بالنسبة لي، ولا شخصا عابرا في تجربتي الشعرية التي سهر على إنضاجها طيلة حوالي خمس سنوات. وإذا كان علم النفس يقول إن ما يواجه الطفل في سنواته الخمسة الأولى هو ما يؤثر أكثر في تكوينه وفي شخصيته، فلا أدري هل تسعفني الاستعارة لأقول إن السنوات الخمسة الأولى من تجربة الشاعر هي ما يحدد مساره في ما بعد.

إذن، في ما يخصني أذكر لفراس من جميل الصنائع ما لا أستطيع حصره في هذا المقام الذي يُحتفى فيه بإصداره لمجموعته نخلة الروح، ولكن لا بأس من الإشارة إلى بعضها بشكل مجمل وسريع، لعل كثيرا من الأصدقاء يستعيدونها من ذاكرتهم اعترافا للرجل بفضله الذي لا ينساه إلا جاحد.

أذكر أنه أخرجني من زاوية كانت تسمى مواهب وكلمات وهي زاوية كانت لنشر البدا

المزيد


معطف محمود درويش

سبتمبر 24th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

جمال الموساوي

عندما استمعت لأول مرة مباشرة لمحمود درويش في مسرح محمد الخامس، في أواسط التسعينيات، استشعرت ضآلة أمام إلقائه الذي لم يترك لنا الفرصة حتى للتنفس.

كان كل شيء فيه يشد الحاضرين. ليس شعره فحسب، بل حركة يده وهو يسيج «هذا الرحيلا»، وانفجار نبرته وهو يؤكد أن ثمة فوق الأرض ما يستحق الحياة، أو حتى وهو يتعلم كل الكلام ويفككه كي يركب تلك المفردة الواحدة الأثيرة إلى قلبه: الوطن. الوطن الذي كان قلب الشاعر وطنه. وهذا أمر عجب، أن يصبح الوطن مواطنا، بمعنى من المعاني، من مواطني ذلك القلب الهش، على عكس ما هو مألوف.

لم تبدأ العلاقة بمحمود درويش هنا بطبيعة الحال. أذكر أنه في أواخر الثمانينيات بينما كنت قد شرعت في إنضاج الكلمات على نار هادئة، ويسمح لي بعض أساتذتي بفسحات من الوقت لقراءة بعض ما كان يتبعثر من حروف، أحسبها وحيا، قال لي أحدهم إن في ما قرأته شاعرين كبيرين، وكان يقصد صدى قصائدهما. الشاعر الأول هو نزار قباني، والثاني  لم يكن سوى محمود درويش. يستقي المراهق فيّ ما كان يقرأه لنزار، ويلوذ الشاب المتحمس بالظلال الوارفة لدرويش، زاده في ذلك تلك الأسطوانات التي كانت تباع في سوق باب النوادر» في تطوان، وبشكل خاص «مديح الظل العالي» و»بيروت» و»خطابات الديكتاتور العربي».

كان الإلقاء باذخا بحيث حفر تلك القصائد في الجمجمة، وأوجد لها مكانا في القلب اعتبارا لما كانت تعنيه تلك الأشعار من تمثل لقضية فلسطين، ولواقع عربي بدأ الشاب يدرك أنه مر، وأن عليه أن يعيشه، وأن يحاصره إن اقتضى الحال « بالجنون وبالجنون».

والواقع أنني لم أدرك أن محمود درويش يسكن تلك الخواطر الأولى التي كنت أقرأها على زملاء القسم (مزهوا) إلا بعد أن نبهني ذلك الأستاذ الكريم. لقد كانت قوة اللغة أكبر من أن تقاوَم، وسحر الصور أقوى من كل سحر آخر، فكان طبيعيا أن يعثر عليه داخلي.

ولعلي هنا لا أقول شيئا مختلفا عما يمكن أن يقوله أي شاعر لا يزال يتلعثم في الطريق إلى قصيدته، قصيدته الخاصة، بمعنى أن الشعراء العرب من الأجيال التي تنتمي إلى الثلاثين سنة الأخيرة، ارتدوا جميعا معطف محمود درويش اللغوي الساحر، والصّوري المذهل، ومن هؤلاء من أسعفته الحيلة فانطلق خارجا من المعطف، ومنهم من قضى نحبه هناك، ومنهم أيضا من ينتظر.

وبهذا يكون درويش واحدا من الآباء الأساسيين للقصيدة العربية المعاصرة التي تكتب الآن، ومن لم يقرأ لهذا الشاعر، لا شك أنه فوت على نفسه الاستفادة من الجزء الأهم من الشعر العربي الحديث منذ الرواد الأوائل.

الشاعر محمود درويش ليس هو الشاعر الوحيد الذي شكل لاوعينا الشعري، وهذه مسلمة من المسلمات، ونصه ليس النص الغائب الوحيد في نصوصنا، لكنه مع ذلك كان الأقرب إلى

المزيد


المدون المغربي جمال الموساوي لـ «العرب» القطرية

يوليو 18th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

المثقفون وجدوا في المدونات طريقاً نحو قراء آخرين



حاوره :حسن الأشرف
 

يؤكد المدون والشاعر المغربي جمال الموساوي أن تأسيسه لمدونته الثقافية يعود إلى رغبته في تحقيق مزيد من التواصل مع الآخرين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى المحيط الضيق الذي قد توفره الجريدة أو المجلة، مبرزا أن وتيرة التدوين الثقافي ما تزال متوسطة لدى المثقفين المغاربة، لأنها مسألة جديدة، وربما لأن البعض يرى فيها مضيعة للوقت والجهد، ويراها البعض الآخر شيئا مبتذلا.
ويرى الموساوي في حوار مع «العرب» أن المدونات الثقافية في حاجة إلى متابعة وإلى إقبال من القراء ومن الكتاب، لأن هذا هو ما يمنحها قوتها ويجعلها قادرة على التأثير في المشهد الثقافي كما يثير قضايا تدوينية أخرى نبسطها ف يالحوار التالي:

 لديك مدونة يمكن اعتبارها مدونة ثقافية بالنظر لمحتوياتها الأدبية والفكرية والثقافية عموما، فما الذي هداك إلى تأسيس مدونة ثقافية؟ أهو التنفيس عن شيء ما.. أم الرغبة في الانخراط في حداثة معاصرة؟
مما لا شك فيه أن الشبكة العنكبوتية، إذا أحسن استغلالها، تشكل واحدة من أهم آليات التواصل في عالم اليوم، وبالتالي فإن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتني، وربما دفعت آخرين أيضا، هو الرغبة في تحقيق مزيد من التواصل مع الآخرين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى المحيط الضيق الذي قد توفره الجريدة أو المجلة. ثم أيضا يمكن اعتبار المدونة آلية من آليات الأرشفة بالرغم من أنها غير مضمونة بشكل كامل لأنها قد تتعرض للحجب أو للتدمير لسبب أو لآخر. ويمكن إضافة سبب آخر هو أنه ليس كل ما أكتبه يجد طريقه للنشر، خاصة ما يتعلق بالآراء الشخصية جدا أو باليوميات مثلا.

 هل يمكن برأيك الحديث عن وجود فعلي لمدونات ثقافية بالمغرب، بالنظر إلى تميز بعضها مثل مدونة الناقد محمد معتصم ومدونة الدكتور سعيد يقطين ومدونة رجاء الطالبي والشاعر إدريس علوش وغيرهم؟

وتيرة التدوين الثقافي لا تزال متوسطة لدى المثقفين المغاربة، لأنها مسألة جديدة، وربما لم تحظ بعد بالاهتمام اللازم، وربما لأن البعض يرى فيها مضيعة للوقت والجهد، وربما يراها البعض الآخر شيئا مبتذلا، بواقع أنه بإمكان أي واحد مهما كان مستواه أن ينشىء مدونة، ويصبح كاتبا أو شاعرا، وهناك من

المزيد


حرب ضدا الهشاشة… هكذا بدأت

أبريل 15th, 2008 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

جمال الموساوي 

لا أدري تحديدا ما كانت أحلام الطفولة الأولى. عادة تلك الأحلام ترافقنا في صعودنا إلى المنحدرات البعيدة للعمر، وتضل في الأخاديد التي يرسمها الزمن على وجوهنا، ويشمها جراحاتٍ عميقة في الروح أحيانا. لكن هل كان بين تلك الأحلام أن يبدأ الكائن الذي أتقمصه في بعثرة الكلمات والتلاعب باللغة مسكونا بوهم ما، أو باحثا عن شيء يظنه عشبة الخلود التي جدَّ السابقون الأولون في الوصول إليها عبثا؟

من المؤكد أيضا أنني عندما كنت أجتهد في حراسة المرمى، لم يخطر ببالي أنه سيأتي يوم  يركبني فيه وهم كبير، هو الوقوف على بوابة اللغة لحراستها من هشاشة الحياة، بل والعمل على تسليتها بالصعود بها إلى سدرة في أقصي الغمام، ثم النزول بها إلى جحيم في أقسى حالات الارتباك أمام العالم المشدود إلى النهايات. تلك اللغة التي تتمنع طويلا قبل أن تهب أسرارها لحامل النار، أو بالأحرى لسارقها.

 كل ما هناك أنني

المزيد


حالات ثقافية مرضية… مع الأسف

ديسمبر 9th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

بعض الناس مرضى، أكثر من ذلك حالتهم مستعصية جدا، وبسبب ذلك تجدهم يخبطون في كل اتجاه معتقدين أنهم صاروا أوصياء على الراهن الثقافي في المغرب، وهي الوصاية التي طالما كان هذا الجيل يحتد في الحديث عن رفضها
وللأسف فإن هؤلاء من فصيلة الطفيليات التي نبتت في غفلة من الزمن في مواقع أتاحت لها أن تتبجح من خلال كتابة أعمدة أو ما يشبه أعمدة صحفية ثقافية لا يقرأها أحد، أو في أحسن الأحوال يقرأ منها نصفها ثم يبصق عن أبو الكتابة الذي أطلق العنان لهؤلاء لكي يقولوا أي شيء ويخبطون يمينا ويسارا وفي ظنهم، أو في وهمهم، أن تَبَنُّدَهُمْ كل أسبوع على صفحات هذا المنبر أو ذاك هو ما يكرسهم على عرش مجد زائف
هؤلاْء لا يكرسون في الواقع سوى ضحالة معرفية، يحاولون مداراتها عبر حشو أعمدتهم بالعديد من الاقتباسات من هذا الكاتب أو ذاك، لعل القارئ ينخدع ويقول إن هذا الكاتب واسع الاطلاع، وهو في الواقع لا يعرف أحيانا حتى مقاصد ما اقتبسه، بل ربما تعسف في استعماله، وزج به في غير محله. الأدهى من كل ذلك أن من هؤلاء من لا يتوفر له أي تكوين أكاديمي ، وليست له أي شهادة أكاديمية معترف بها، علما أننا ندرك أن الشهادة وحدها ليست من تصنع المعرفة
إن عدم توفر هذه النماذج على شهادة جامعية كونت في أعماقهم عقدة لم يتمكن إدعاؤهم الانتماء إلى حقل الشعر والإبداع من فكها، أكثر من ذلك غذت في أعماقهم دائما جحيما من الحقد والكراهية والغل تجاه أولئك المفروض أنهم زملاءهم في الإبداع،قبل اي شيء آخر، ويحققون بكل تواضع بعض النجاح، إما بالحصول على جائزة قيمة دون أن يسعوا لذلك، أو من خلال إصدار ظل ينتظر طويلا قبل أن تتاح له الفرصة ليجد مكانا له على رفوف المكتبات أو الأكشاك
للأسف الشديد بعض هؤلاء مسؤولون على منابر يفترض فيها احتضان ما يعتمل في الحقل الثقافي في المغرب والتفاعل مع ما يحدث فيه مدا وجزرا، لكن للأسف، دائما، آثر هؤلاء وأد العديد من المبادرات، لأنهم في الواقع لا يملكون تصورا للعمل،وليست لهم القدرة على بلورة مبادرات منتجة، فيكتفون بتدبيج أعمدة لا يفهمها أحد مطلقا، ليس بسبب قصور لدى القراء، بل لأنه ليس فيها أصلا ما يمكنه فهمه. كلمات مرصوصة بلا روح وتعكس فقط تبجحا

المزيد


مغاربة في‮ ‬خدمة فرنسا: من الهند الصينية إلى بؤس المعاش

يوليو 9th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

هذه بورتريهات لرجال مغاربة،‮ ‬دفعتهم ظروف ما،‮ ‬قد تختلف،‮ ‬في‮ ‬مغرب‮  ‬الاستعمار إلى الانخراط في‮ ‬الجيش الفرنسي،‮ ‬أو إلى مجرد القتال تحت راية فرنسا أثناء‮  ‬الحرب العالمية الثانية وفي‮ ‬حروب الهند الصينية أو ما‮ ‬يعرف ب‮ »‬لاندوشين‮«‬،‮ ‬هؤلاء الذين كانوا أبطالاً‮ ‬حقيقيين في‮ ‬شبابهم تحولوا وهم في‮ ‬سنوات الشيخوخة إلى أشباح‮  ‬لايكادون‮ ‬يظهرون لفرنسا‮ .‬وهذه شذرات من سيرتهم‮.‬

جمال الموساوي


محمد العلوشي‮: ‬أرز بشحم الخنزير،‮ ‬ومعاملة حسنة من الفيتناميين‮!


محمد العلوشي‮ ‬من مواليد‮ ‬1931‮ ‬ببني‮ ‬يازغة‮ »‬ملاحة‮«‬‭.‬‮ ‬انخرط في‮ ‬الجيش الفرنسي‮ ‬الفيلق الثالث ـ الأول ـ بمكناس‮ ‮ ‬سنة‮ 0591وفي‮ ‬سنة‮ 1591‮ ‬التحق بمدينة وهران ومنها إلى الهند الصينية على متن باخرة باستور طيلة‮  71‮ ‬يوما قبل الوصول إلى سايغون،‮ »‬وفيها،‮ ‬يقول محمد،‮ ‬أقمنا لمدة قصيرة،‮ ‬ذهبنا بعدها‮  ‬إلى هايفو وكنت في‮ ‬الفيلق الثالث للمشاة الذي‮ ‬كان موكول إليه التدخل في‮ ‬كل العمليات العسكرية‮«.‬
وفي‮ ‬حرب أهوي‮ ‬في‮ ‬سنطرانام التي‮ ‬كنا نتنقل إليها ومنها بواسطة الطائرة‮. ‬هذه‮  ‬المدينة‮  ‬يتوسطها نهر،‮ ‬وقد شهدت حربا ضروساً‮ ‬شارك محمد العلوشي‮ ‬فيها،‮ ‬ومنها إلى وابين‮: ‬أرض عارية بها‮ ‬غابة‮.  ‬يقول‮ »‬هنا جرت الحرب بين المغاربة والفيتناميين الذين كانوا‮ ‬يقاتلون بشجاعة نادرة وانتصروا على الفرنسيين وعلينا ولولا أحد الفيتناميين المتعاونين معنا الذي‮ ‬أرشدنا إلى تغيير الطريق وقطع بنا وسط الغابة لكانت النهاية‭.‬‮ ‬وكانت الشاحنات تملأ عن آخرها بقتلانا وتعوض بشاحانات أخرى سعتها‮ ‬3‮ ‬أطنان‭.‬‮ ‬وقد شاركت في‮ ‬الهجوم قوات‮ »‬الكوم‮« ‬وجنود الرماية المغاربة والفرنسيون والسنغاليون والجزائريون،‮ ‬وكلما انهزم فيلق ومات منه عدد من الجنود‮ ‬يتم إرجاع الباقين إلى مدن كانت تعرف الاستقرار في‮ ‬انتظار وصول جنود من المغرب لتكوين فيلق جديد‮«.‬
ويضيف العلوشي‮ » ‬شاركت في‮ ‬معركة أخرى بمدينة لايشو دون انتصار ولا انهزام،‮ ‬توجهت بعدها إلى حدود الصين الشعبية‮« ‬ـ الواد الأحمر‮« ‬وهي‮ ‬جيال عالية تسمى‮ »‬لاطاي‮« ‬حيث تعرضنا لهجوم عنيف دمر‭ ‬الكتيبة العاشرة والتاسعة حيث قتل من قتل وأسر الباقي،‮  ‬ثم جاء الدور على الكتيبة الحادية عشر فتمت تصفيتها ولم‮ ‬يبق من الكتيبتين الباقيتين ـ س.ب‮ ‬CB‮ ‬والثانية عشر إلا‮ 051‮ ‬جنديا فأقمنا في‮ ‬الغابة‮ ‬7‮ ‬أيام نقتات على العشب‭.‬‮ ‬ليتم أسرنا في‮ ‬غابة ـ في‮ ‬موضع كان‮ ‬يعرف ب‮ »421‮«‬‭.‬‮ ‬بقيت في‮ ‬الأسر‮  ‬سنتين،‮ ‬أقتات على الأرز،‮ ‬وكان الجنود الفيتناميون‮ ‬يقدمون لنا ـ بقرة وخنزيرة مذبوحتين كل‮ ‬يوم ـ ويقومون بطلاء الأرز بشحم الخنزيرة ويعاملوننا معاملة جد حسنة‭.‬‮ ‬وفي‮ ‬أحد الأيام هاجمت رئيس فريق أصله جزائري‮ ‬أراد منعي‮ ‬من الحصول على‭ ‬وجبتي‮ ‬الغذائية‮  ‬فأسلت دمه‮. ‬وقد ندد الفيتناميون بذلك وحاكمونني‮ ‬بعدم مشاهدة الأفلام السينمائية ثلاثة أيام وتغيير الفريق‮.‬
قمت بمحاولة فرار صحبة‮ ‬5‮ ‬مغاربة آخرين‮. ‬استولينا على زورق وضعنا فيه ملابسنا وركبوا هم الزورقالذي‮ ‬قمت بجره وأنا أسبح إلى أن قطعنا الواد ودخلنا الغابة ولكن عند خروجنا منها ألقي‮ ‬القبض علينا من جديد وأُعدنا إلى‭ ‬نفس المعتقل‮.‬
كانت محاولاتي‮ ‬للفرار متكررة،‮ ‬فتارة حاولت مع جزائري‮ ‬وباءت بالفشل‮. ‬ومرة بمفردي‮ ‬وقطعت‮ 08‮ ‬كيلومترا سابحا في‮ ‬الواد ليلا كاملا‮. ‬استعنت فيها بجدع شجرة تارة أركبه تارة وأختفي‮ ‬تحته أخرى‮. ‬ولما‮ ‬غادرت الماء وضعت واقيا من البعوض على‭ ‬رأسي،‮ ‬وبينما كنت أرتاح مختفيا وسط القصب اكتشفني‮ ‬مجموعة من الفلاحين وهاجموني‮ ‬بسيوف حادة وسلموني‮ ‬إلى‭ ‬إدارة السجن من جديد بعدما رافقني‮ ‬بعضهم‮. ‬وعند وصولي‮ ‬السجن طلبت من مديره أن‮ ‬يعدمني‮ ‬وكان الناس قد تمكنوا مني‮ ‬فرفض طلبي‮. ‬وتعرضت‭ ‬لبحث عسير من قبل رئيس المعسكر تمحور حول دخلي‮ ‬المادي‮ ‬وعلاقتي‮ ‬بأسرتي‮ ‬وبالمغرب وبجهلي‮ ‬للقراءة والكتابة،‮ ‬ولامني‮ ‬على‭ ‬موقفي‮ ‬واعتبره نابعا من جهلي‮.‬
ولما تم وقف النار كانت هيئة الصليب الأحمر تقوم بمبادلتنا بجنود فيتناميين‮.‬
من بين الأشياء التي‮ ‬كانت تغري‮ ‬المغاربة الراتب الذي‮ ‬كان‮ ‬يصل إلى‮ ‬111‮ ‬ريالا مغربيا بالنسبة للجندي‮ ‬من الدرجة الثانية وهو أجر محترم آنذاك في‮ ‬ظل الفقر والعوز الذي‮ ‬كان‮ ‬يعاني‮ ‬منه باقي‮ ‬الشعب المغربي،‮ ‬ولما تم نقلنا إلى‭ ‬الفيتنام كان أجرنا‮ 0043‮ ‬ريال،‮ ‬ولما تمت عودتنا إلى‭ ‬الوطن سنة‮ 4591‮ ‬كان أجرنا‮ 069‮ ‬ريالا بالنسبة للرتبة الثانية دائما‮.‬
ـ والملاحظ أن هؤلاء الجنود العائدون من جبهة الفيتنام أخذوا عبرة من الفيتناميين مما جعل أغلبيتهم تفر من الجيش الفرنسي‮ ‬وتنخرط في‮ ‬صفوف جيش التحرير‮. ‬وقد واجه هؤلاء قادتهم وتم نزع السلاح منهم،‮ ‬أما حالتي‮ ‬فقد عرفت تدهورا صحيا في‮ ‬هذه الفترة مما جعلني‮ ‬لا أقوم بأداء الواجب العسكري،‮ ‬لكنني‮ ‬فررت منه بعدما استوليت على‭ ‬رشاشتين احتفظت بهما في‮ ‬زبالة وبقيت داخل التكنة حتى‭ ‬لا أثير الانتباه‮. ‬وقمت باسترجاع سلاحي‮ ‬دون أن أعيد لهم ما سرقته منهم حتى سلمته إلى‭ ‬الجيش المغربي‮ ‬بالرباط‮.‬

امحمد الحوزي‮: ‬بقايا دبابات وأنهار من الدماء‮


السيد الحوزي‮ ‬امحمد بن محمد من مواليد‮ 4291‮ ‬

المزيد


عادة

يوليو 2nd, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات, شعر

 جمال الموساوي

حين تدنو العقارب
من رقصة الرابعة
لا ننام
نتبادل همسا حزينا
ونكمل سهرتنا
في الظلام


خبط عشواء

يونيو 29th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات, يوميات

ماذا يمكن أن يفعل إنسان فتح عينيه على جبل عظيم يستحيل عليه النيل منه؟

جمال الموساوي

تتداعى إلى الذهن الكثير من الكلمات عن الموت. كلمات تبقى بالرغم من كل حمولتها ناقصة. تذكرت كلمة قالها الشاعر الإنجليزي جون كيتس في لحظة من لحظاته الجميلة المشرعة للشعر، فتجلى عالم الموت الخفي رائقا
قال  « أشعر الآن أكثر من أي وقت مضى أنه  من الخصوبة أن أموت»
فكرت إذ استعدت هذه الكلمات أنه « ليس من المفاجئ في شيء أن يداهم الموت الإنسان» وأن يحاصره هكذا بغتة، مع أنه ربما كان ينتظر اللقاء بسنة بعيدة في النفق، ذلك أن الموت خارج الحصر في الزمان أو في المكان بل إن «المنايا خبط عشواء» لا غير ، كما عبر عن ذلك الشاعر العربي القديم
والولادة هي بداية المضي باتجاه الموت. لو لم تكن ثمة ولادة ما كان ليكون ثمة موت. هذه جدلية بسيطة لكنها تستدعي الحياة، ولذلك، وبسبب رهافة الدواخل يكثر الشعراء، خاصة، من الحديث عن الموت في أعمالهم، أو لعله يشكل عصب إنتاجهم. فالكتابة نوع من الموت أيضا، موت رمزي رائع بالضرورة. موت لذيذ لأنه لحظي ومؤقت، والشعراء في الغالب لا يستطيعون التحليق خارج الفضاءات الجنائزية السوداء بحثا عن أفق أبيض للحياة. فالموت عامل خصوبة كما أراد كيتس، يمنح الحياة فرصة لتجديد كائناتها
الموت، إذن، ليس واحدا، بل هو متعدد بقدر ما هو مختلف، ولهذا فقد كان الشاعر القديم الآخر على قدر غير قليل من الخطأ
 إذا تركنا جانبا الموت كلغز بيولوجي مادي بما هو استيفاء لأجل، واختفاء ن

المزيد


البكالوريا في‮ ‬زمن التقويم الهيكلي!

يونيو 17th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

رهنت مستقبلي‮ ‬في‮ ‬غير ما أميل إليه

جمال الموساوي

كانت الباكالوريا،‮ ‬للتلميذ‮  ‬الذي‮ ‬كنته في‮ ‬الابتدائي‮ ‬والإعدادي‮ ‬شبحا حقيقيا‮. ‬كان ما‮ ‬يشبه الأساطير قد انتسج حولها،‮ ‬هذا على الأقل ماكان‮ ‬يصلنا عبر الذين اقتربوا منها أو اكتووا بلهيبها قبل أن‮ ‬يمروا بسلام،‮ ‬أو احترقوا فعلا‮. ‬ولم تكن شهادة الباكالوريا في‮ ‬حد ذاتها هي‮ ‬موضوع هؤلاء،‮ ‬بل امتحان الباكالوريا،‮ ‬لأن اجتيازه كان بمثابة باب النعيم،‮ ‬لسبب بسيط هو أن الآثار السيئة للتقويم الهيكلي‮ ‬لم تكن قد ظهرت بعد،‮ ‬وكانت فرصة إيجاد منصب شغل ممكنة إلى حد ما،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فقد كانت شهادة الباكالوريا،‮ ‬كما كنا نتصور،‮ ‬حظوة ما بعدها حظوة،‮ ‬وبطبيعة الحال لم‮ ‬يكن من المستغرب أن تسمع زغاريد في‮  ‬بيت وبكاء في‮ ‬آخر‮.‬
لا أدري‮ ‬كيف ارتبطت الباكالوريا في‮ ‬ذهني‮ ‬بالالتحاق بالحياة العملية،‮ ‬ولا متى،‮ ‬لكنه ارتباط تحكم في‮ ‬توجهي‮ ‬إلى شعبة المحاسبة التجارية،‮ ‬قبل أن أكتشف أنني‮ ‬رهنت مستقبلي‮ ‬في‮ ‬غير ما أميل إليه،‮ ‬فقد أدركتني‮ ‬حرفة الأدب كما قال الأولون،‮ ‬واعتقدت أنه كان علي‮ ‬اختيار الأدب،‮ ‬وكان لذلك أثره الكبير على نفسيتي‮.‬
وكما أدركتني‮ ‬حرفة الأدب مع ما في‮ ‬ذلك من مبالغة بادية،‮ ‬أدركني‮ ‬إصلاح نظام الباكالوريا، في موسم1987-1988،‮ ‬وصارت تمتد طيلة ثلاث سنوات،‮ ‬وفقدت بعض هيبتها وبدأت بعض الأساطير المنسوجة حولها تتهاوى مع إمكانيات تعويض الخسارات الممكنة بنوع من المقاصة بين السنة الأولى والسنة الثانية ثم الثالثة،‮ ‬وكانت تلك بوادر فقدان شهادة الباكالوريا نفسها لقيمتها في‮ ‬سوق الشهادات التعليمية،‮ ‬وأتذكر أنني‮ ‬عانيت خلال السنة الأولى من أثر الاختيار‮ »‬الخاطئ‮« ‬للشعبة،‮ ‬فلم أحصل في‮ ‬النهاية إلا على نقطة قريبة من المعدل‮. ‬وقد شكل هذا تحديا إضافيا،‮ ‬وكان علي‮ ‬أن أتكيف بشكل أفضل وبسرعة مع الاختيار فتداركت في‮ ‬السنتين التاليتين ما فاتني‮.‬
لا شك أنني،‮ ‬وبمعية الجيل الذي‮ ‬أدركه إصلاح نظام الباكالوريا آنذاك،‮ ‬أصبحنا أكثر وعيا بأن آثار التقويم الهيكلي‮ ‬صارت واضحة،‮ ‬على القطاعات الاجتماعبة أساسا،‮ ‬وأن الباكالوريا لن تخول لأحد مباشرة الدخول إلى النعيم الموعود،‮ ‬خاصة مع بداية فقدان الشهادات الجامعية المسلمة من الكليات لقيمتها أيضا مع الشروع في‮ ‬تقنين التسجيل في‮ ‬السلك الثالث وتراكم أعداد العاطلين سنة بعد أخرى‮. ‬
هذا الوعي‮ ‬جعلنا ننظر إلى ما بعد الباكالوريا بارتياب أكبر وخوف على المستقبل الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد مرهونا بالاجتهاد والنجا

المزيد


ما بين الشعراء والشعراء؟

يونيو 17th, 2007 كتبها جمال الموساوي نشر في , تحليقات

جمال الموساوي

أحدس أنه سؤال يمارس الحجز على الأجوبة الممكنة. فلعل ما بين الشعراء والشعراء، ليس أعمق من تحية مجاملة عابرة، أو تعليقا سريعا - يندثر توا - على قصيدة مرت سريعا - كذلك - أمام عينين شبه مطفأتين. أحدس أيضا، وليغفر لي الفلاسفة، أن السؤال يمضي إلى عزه - في صيغته - لاستفزاز المخبوء في القلوب التي في الصدور.
ماذا بين الشعراء والشعراء؟
بينهم أن يكتبوا لبعضهم، أو يكتبوا فقط… القارئ المفترض مشغول هذه الأيام بأمور مهمة جدا. إنه يشكو ألما على جانبيه: جيبان في أسفلهما ثقبان واسعان. إنه يبحث عن رقع لكي يبقى على قيد الأمل في الحياة.
بينهم أن يبوحوا للبحر بأكثر من مجزرة في الداخل، أو بامرأة في ” نقاب” تنظر جهة البعث ببهاء. بينهم اشتعال البياض بين أصابعهم، في غمرة الفراغات، بأنين مستقبل ليس بين أيديهم. كل شعراء المغرب هواة، لا أحد يقتات من الشعر، والذي يصدر ديوانا فكأنما يزرع ال

المزيد


التالي