جثة المغرب العربي
كتبهاجمال الموساوي ، في 1 أكتوبر 2009 الساعة: 10:02 ص
جمال الموساوي
من الأوهام الكبرى التي لا تزال معششة في بعض العقول، بالأحرى لدى بعض السياسيين، وهم كبير اسمه المغرب العربي. هو وهم لأن كل الوقائع الموضوعية تؤكد أن التمسك بهذه الفكرة هو من باب نوستالجيات الوحدة القومية العربية، التي انتهت إلى ما انتهت إليه من الفشل والبوار.
خيار المغرب العربي كفكرة تعود إلى الواجهة كلما عرفت الأجواء احتقانا بين الدول الأطراف المفترض أنها تشكل هذه الوحدة الإقليمية، وبالتالي يلوح بها كل طرف في وجه الآخر باعتباره المسؤول عن فشلها وعدم تجسّدها على أرض الواقع بالرغم من أن قمة جمعت قادة الدول الخمسة ذات يوم من فبراير 1989 بمراكش وأسفرت عن الإعلان عن ميلاد هذا الكيان، الذي اتضح مع مرور الوقت والسنوات أنه كان ميتا في الرحم ولم يكن بإمكان عملية قيصرية أن تعيد إليه الحياة.
من كل دعوة جديدة إلى قيام مغرب عربي متماسك يمكن أن نستنتج أن هناك نوعين أو فصيلتين من الدعاة، أولهما تلك الفصيلة التي لا تزال على "العهد"، ويشدها الحنين إلى طنين الخطب القومية، والأمة الواحدة والمصير المشترك وروابط اللغة والدم وما إلى ذلك من الشعارات "القبلية" التي لم يكن بإمكانها الذهاب بعيدا نظرا لعوامل موضوعية وأيضا لعوامل ذاتية تتعلق بالمصالح وبالنزعات القطرية. وثانيهما تلك الفصيلة التي وجدت في دعوى المغرب العربي شعارا على الطريق فحملته، للتلويح به بين الفينة والأخرى لأن السياق العالمي لم يعد يعير للكيانات القطرية الكثير من الاهتمام، لأن هذه الكيانات لم تعد مؤثرة في عالم معولم، انتفت فيه الحدود وكاد يتلاشى فيه مفهوم الكيان القطري بشكل نهائي، إلا إذا كان مسنودا بقوة عسكرية واقتصادية.
ومما لا شك فيه أنه، إذا استبعدنا الروابط القومية التقليدية كاللغة والدين وما إلى ذلك مما يمكن أن يشكل رافدا لوحدة اندماجية كاملة هي واقعيا مستحيلة، فلابد من ملاحظة أن الدول المفترض أنها تشكل المغرب العربي ابتليت بالأمراض التي تعاني منها سياسة الدول العربية القائمة على النفور المتبادل، والتوجس الدائم، والتطلع إلى زعامات متوهمة، حيث كل دولة ترى أنها الأهل لقيادة القاطرة، وغالبا ما تهتز التوافقات الهشة بينها عند أبسط ريح تهب، وإذا لم تهب هذه الريح يتم اختلاق العواصف.
إن ما وقع في ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية لا يمكنه إلا أن يؤيد هذا الطرح، وأيضا الإغلاق المتواصل للحدود المغربية الجزائرية، وكذلك هذا الاختلاف المستمر في تحديد المواعيد القمرية والمناسبات الدينية بالرغم من انتماء المنطقة إلى نفس الفضاء الجغرافي حيث الفارق الزمني لا يتعدي ساعتين.
ولقد دأب الكثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين خلال ندوات مكرسة لمحاولة بعث الروح في جثة فكرة المغرب العربي على التحذير من "الكلفة الباهظة لللامغرب العربي"، لكن ما لا يلتفت إليه هؤلاء في الغالب، أو هم لا يريدون الالتفات إليه، هو أن المغرب العربي القائم على اللغة والدم والانتماء إلى أمة عربية لا يعدو أن يكون وهما استمر لسنين طوال وتغذى بتلك الأحلام لحركات التحرر من الاستعمار في المنطقة. لكن الوقائع التي طبعت هذه المنطقة بعد ذهاب الاستعمار، إضافة إلى طبيعة التعدد الثقافي والإثني الذي يميزها من المفترض في كل ذلك أن يدفع، على السواء، الحالمين وأصحاب الشعار إلى نبذ الفكرة بشكل نهائي، والتفكير في سبل أخرى لإنشاء كيان تكون فيه للاقتصاد الأسبقية على السياسة. يوجهها ولا تتحكم فيه. بيد أن هذه الفكرة نفسها تصطدم بمعوقات كثيرة، ليس أقلها أن كل طرف يحسب حسابه حتى لا يغتني الطرف الآخر على حسابه، وحتى لا يحقق أي مكسب في الطريق نحو التنمية من جراء تعاونه معه. وهو ما يؤكد أننا فعلا، ودون أي مواربة أمام جثة تنتظر الدفن النهائي اسمها المغرب العربي.
قد يكون هذا تشاؤما مطلقا، وقد يكون رفضا مسبقا لفكرة ولدت ميتة، لكن أرى أن حساب كلفة اللامغرب، لا ينبغي بأي حال أن يقوم به السياسيون أو السياسيون الساهرون على الشأن الاقتصادي، هؤلاء ليس بإمكانهم التخلي عن الخلفيات التي تمنع التكامل الاقتصادي. التكامل الاقتصادي بعيدا عن شعارات المصير واللغة والدم المشترك، بل التكامل القائم على المصالح ذاتها التي قادت إلى قيام كيانات إقليمية ليس بينها أي من الروابط التي ألفنا سماعها مع أن الزمن عفا عنها.
وأمام التنافسية التي تعرفها الأسواق في العالم الذي يتجه باستمرار إلى مزيد من الانفتاح الاقتصادي والمالي، وإلى فتح الحدود أكثر فأكثر في وجه السلع والخدمات، ومن لم يفتح حدوده طوعا سيأتي يوم يضطر فيه إلى ذلك، من الممكن التفكير في أن اللوبي الاقتصادي، غير الرسمي، من رجال الأعمال بإمكانه ممارسة الضغط باتجاه انفتاح أسواق الدول الخمسة على بعضها لتعويض جزء مما قد يفقدونه في الأسواق الأخرى، وذلك من أجل تجاوز إكراهات السياسة التي لا يبدو أنها ستسمح بتأسيس كيان اقتصادي في المدى المنظور، وأيضا من أجل تجاوز وضعية استحالة وحدة مغاربية على النمط الاندماجي في إطار قومي قائم على روابط الدم واللغة وما إلى ذلك.
إن رجال الأعمال الذين ينفقون أموالهم على الاستثمار في مشاريع منتجة في هذه الدول هم وحدهم المخولون للقيام بحساب تكلفة اللامغرب الاقتصادي. لكن حتى هذه الفجوة للتفاؤل تبدو مستعصية، وربما مستحيلة، ما دام أن السياسة هي التي لها الكلمة الفصل في النهاية، ومن طبيعة السياسة أن مزاجها متقلب ولا يستقر على حال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات صحفية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 12:52 م
ممكن يكون وهما
ولكنه مجرد أمل يحذو العديدين
فما يجمعنا
هو اكثر بكثير مما يفرقنا
أكتوبر 26th, 2009 at 26 أكتوبر 2009 6:11 م
موضوع جدير يالقراءة لأيقاظ الحالمين انا افضل لو يطلق على هذه المجموعةمجموعة دول شمال افريقيافقط وتتعامل اقتصاديافيما بينها دون نعرات او شعارات
أكتوبر 27th, 2009 at 27 أكتوبر 2009 12:07 م
ابداع مشرق تحياتى دائما