“مامات حد بالجوع”
كتبهاجمال الموساوي ، في 16 سبتمبر 2009 الساعة: 10:52 ص
جمال الموساوي
نهاية رمضان تقترب. سيخرج الناس منه وقد أجهز الدخول المدرسي على ما بقي من طاقتهم وقدرتهم الشرائية، وعلى ما يمكن أن يكونوا قد تمكنوا من توفيره لأن فصل العطلة ألغاه شهر رمضان وما يتطلبه هذا الأخير من الاعتكاف في المنازل لتدبير الضرورات التي تميز هذا الشهر.
سينتهي الصيام قريبا وستستعيد الحناجر قدرتها على الصراخ في الشوارع، خاصة أمام البرلمان، احتجاجا على الكثير من الأشياء المختلطة، بين ارتفاع الأسعار وتدني الأوضاع الاجتماعية خلافا لما يقال عن تقلص نسب الفقر والهشاشة، وسينضاف إلى المحتجين "التقليديين" محتجون جدد، من بينهم ضحايا شركة جنرال كونتراكتور في المدينة الجديدة تامسنا، الشركة التي دفعت بمئات الأسر إلى وضعية قريبة من التشرد، خاصة تلك التي باعت مساكنها السابقة لتسديد أقساط بيت المستقبل في مدينة لا تزال على الورق.
كما ستنزل، حسب العديد من المؤشرات، تنسيقيات مناهضة غلاء أسعار المعيشة بكل ثقلها للتنديد بما وصلت إليه القدرة الشرائية للمغاربة من تدنٍّ صار معه من الصعب تلبية الحاجيات الأساسية للكثير منهم بسبب ارتفاع الأسعار وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يزال يصر وزير المالية على أنها لم تكن بالخطورة الكبيرة على الاقتصاد المغربي، مع أن الواقع يفيد أشياء أخرى تتجلى بالخصوص في الإغلاق النهائي أو المؤقت للعديد من الوحدات الإنتاجية في قطاع النسيج، وتدني المداخيل السياحية، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارجي وتراجع الطلب الخارجي، وغير ذلك.
من المنتظر إذن، أن تشد العديد من الوفود القادمة من الأصقاع المختلفة رحالها باتجاه مدينة الرباط للاعتصام في الشوارع وأمام بنايات عدد من الوزارات جريا على العادة منذ سنوات بعيدة.
المعطلون سيواصلون حضورهم، في أهم شوارع العاصمة وسيواصلون شكوكهم الدائمة حول مصداقية الأرقام التي تعلنها المندوبية السامية للتخطيط بين الفينة والأخرى عن معدلات البطالة في المغرب، وهي الأرقام التي تراوح حسب البحث الدوري الذي تجريه المندوبية تحت أقل من 10 في المائة، وهو ما لا يبدو في نظر العديد من الناس والمراقبين معقولا ولا مقبولا.
لكن مع ذلك، فمن التناقضات والمفارقات التي لا تخطئها العين في هذا البلد أنه بالرغم من الأوضاع الاجتماعية الواضح تدنيها، وبالرغم من الضيق الذي تعيش فيه العديد من الأسر والشرائح على امتداد المغرب، وبالرغم من الاحتجاجات التي لا تتوقف على مدار السنة، فإن الناس لا يتوانون عن التدافع والتنافس في النفقات، ولا تفوتهم مناسبة من المناسبات لإثباتهم قدراتهم التي لا تقبل جدلا في توفير كل ما يلزم. وسواء تعلق الأمر بالأعراس أو الأعياد أو رمضان أو أي مناسبة من المناسبات لا يتركون "حقهم" في أي شيء. هناك من يقترض أمام وفرة العرض في القروض، وهناك من يبيع بعضا من ممتلكاته، وهناك من يتحايل على الفقر بأشكال مبتدعة لا يمكن أن تخطر على بال. المهم أن يعيش اليوم بالشكل الذي يراه لائقا، ولغدٍ أمره، أو كما يقال دائما في مثل هذه المواقف "احييني اليوم واقتلني غدا".
هذه المفارقة ربما هي أكثر الأشياء التي تجعل آثار الأزمة الاقتصادية، التي أتت على الأخضر واليابس في العالم، غير واضحة ويكتنفها بعض الالتباس في المغرب، وقد ابتدع المغاربة مأثورا دأبنا على سماعه كلما كان هناك حديث مطنب عن الفقر والأوضاع الاجتماعية المزرية هو "مامات حد بالجوع"، وكأن الحياة تتوقف عند ملء المعدة.
إن هذا المأثور لا يؤكد إلا أمرا واحدا يتمثل في تلك القدرية التي يعيش المغاربة على الإيمان بها، في شبه استسلام، مع أن أوضاعهم ليست سوى نتيجة لخلل في السياسات الاقتصادية التي لم يكن فيها للجوانب الاجتماعية نصيب.
"مامات حد بالجوع" هو ما يجعل المسؤولين مطمئنين، ومؤمنين بقدرة المغاربة على تأمين حياتهم، والتكيف مع مختلف الأوضاع مهما كانت قساوتها. وما دام المغاربة قادرين على العيش بطرقهم فإن لا أحد مطالب بالتفكير في أوضاعهم. لعل هذا بالضبط، هو ما يردده المسؤولون بينهم وبين أنفسهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء طرح سؤال حول كيف يتمكن أغلب المغاربة من الاستمرار في "العيش"، وأبعد من ذلك، بكم يعيش هؤلاء، ما هو نصيبهم الفعلي إمكانيات "العيش"، وإلى متى سيستمر هؤلاء في التحايل على فقرهم والتفريط في الكثير من الضروريات لحساب أخرى وجرجرة أعمارهم ببطء إلى أن يناموا مطمئنين بعد حياة حافلة بالضنك والضيق والأمنيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























