مخدرات… وأناس استنكروا فظُلموا
كتبهاجمال الموساوي ، في 10 سبتمبر 2009 الساعة: 14:35 م
جمال الموساوي
أباطرة المخدرات يجرون، هذه الأيام، رؤوسا كبيرة، وبعضها صغيرة، إلى عتمة السجون بعد أن كان هؤلاء يوفرون لهم ما يلزم من الحماية أثناء قيامهم بممارسة "أعمالهم". هذه هي الخلاصة الأساسية التي يمكن الانتهاء إليها من قراءة التقارير الصحفية التي تتابع باهتمام بالغ عددا من قضايا المخدرات المعروضة أمام المحاكم أو تلك التي لا تزال قيد التحقيق.
نكاد نجزم أن أباطرة المخدرات وضعوا تحت أجنحة رحمتهم رجالا كثيرين متعددي المهام والاتجاهات والرتب. فهم لديهم أيدي وأرجل في البرلمان وفي الأحزاب وفي أجهزة الأمن المختلفة وفي القضاء وغير ذلك… كل هذا لضمان مزيد من الحماية ومن الأعين التي تنام في الوقت الذي يكون عليها أن تستيقظ.
يعيدنا ما يثار حاليا بعد اعتقال بعض التجار الكبار والحجز المتواصل لكميات هائلة من المخدرات بوتيرة منتظمة إلى ذلك الارتباط الوثيق بين الفساد وبين استمرار شبكات الاتجار في المخدرات وفي البشر والدعارة في مزاولة أنشطتها بشكل مكثف والانتقال في كل مرة يضيق عليها الخناق إلى ابتداع طرق واستراتيجيات جديدة للعمل، ولكنه انتقال لم يكن ليتم بسهولة لولا المساعدة التي تتلقاها هذه الشبكات من "عملاء" متنوعين.
الآن هناك حديث عن تعليمات عليا لمساءلة كل من يرد اسمه على ألسنة أي بارون يتم اعتقاله، وهو ما يعني أن التحقيقات في السابق، قبل سنوات بعيدة وقريبة، والجميع يعرف ذلك، كانت تقف عند مستويات معينة لا تتجاوزها، وهو ما كان يكرس قاعدة عدم المساواة أمام القانون، وساعد البعض على تكوين ثروات طائلة بطرق غير مشروعة دون أن يجدوا من يفتح فمه لمطالبتهم بتوضيح من أين لهم ذلك، وبالتالي فقد سمح سمو بعض الناس فوق القانون بالتمادي في الكثير من الأنشطة غير القانونية، ومنها طبعا ترويج المخدرات وتبييض أموالها.
ما يحدث حاليا في قضايا المخدرات، وهذا التوجه نحو محاسبة كل من ثبتت علاقته بأي ملف من هذه الملفات، لا ينبغي أن ينسينا أن كثيرا من الناس ظُلموا في مراحل سابقة لأنهم تجرأوا على رفع الأصبع المتهم في وجه شخصيات وأجهزة أمنية وقضائية، فجروا على أنفسهم ويلات كثيرة وتمت جرجرتهم أمام المحاكم، وصدرت في حق بعضهم أحكام قاسية، بدل التحقيق في صحة ما أدلوا به من إفادات واتهامات في حق بعض المسؤولين. ويمكن في هذا السياق التذكير ببعض الحالات الدالة كأحمد البلعيشي في التسعينيات من القرن الماضي، وفي ما بعد حالات الصحفي حسين مجدوبي، والمحامين أصحاب رسالة للتاريخ والمدون حسن برهون وشكيب الخياري وغيرهم، من هؤلاء من صدرت في حقهم أحكام نافذة أو جار تنفيذها، ومنهم من كان حرم من مصدر عيشه، ومنهم من أخلي سبيله بعد تحقيقات واتهامات لم تجد لها سندا معقولا.
سيظل ملف الاتجار في المخدرات سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، وما يرتبط بها من جرائم أخرى كالرشوة وتبييض الأموال والإرهاب وبعض جرائم القتل المترتبة عن تصفية الحسابات بين الشبكات المتناحرة واحدا من الملفات الأساسية التي لا يمكن حلها بمعزل عن معالجة مشكلة الفساد بشكل عام…
لست أول من يقول هذا، لكنه بالضبط ما تذهب إليك كل التحليلات والتقارير الدولية الصادرة عن أهم المراصد الدولية للمخدرات، خاصة ما تتضمنه التقارير السنوية للمكتب الدولي لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة. وهذا يعني أن هناك وعيا دوليا، ليس وليد اليوم، بأنه لولا توفير الحماية لتجار المخدرات، أينما وجدوا في العالم، لما تمكن هؤلاء من تنمية أنشطتهم بالشكل الذي هي عليه حاليا، ولما تمكنوا من تغيير المسارات والطرق لتصدير "بضائعهم" بعد أن يتم التضييق عليهم في المسارات والطرق السابقة، كما هو الشأن بالنسبة للمخدرات القادمة من أمريكا اللاتينية التي جعلت من الساحل الغربي لإفريقيا طريقها الجديدة نحو أروبا بعد أن تجتاز البحر والصحراء، ولم يحل طول المسافة الفاصلة بين المنتج والمستهلك دون استمرار تدفقها. فالمهم أنها تصل في النهاية إلى غاياتها والمستهلك يدفع ما يطلب منه، ومهما كلفه ذلك غاليا.
وهكذا بتنا، كلما سقط بارون جديد من بارونات المخدرات بين أيدي الأجهزة الأمنية، ننتظر كم من الرؤوس النافذة في بعض أجهزة الدولة التي سيجرها معه، انطلاقا من ذلك التلازم المتين بين المخدرات والفساد وهو ما يفرض عملا جديا على الواجهتين، ويفرض أيضا الحرص على أن يتم تكريس مبدأ المساواة أمام القانون، وعلى ضمان تطبيقه على الجميع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رشوة وفساد | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























