وزارة الثقافة2001             أنفوبرانت فاس 2007

القناعات والأقنعة والرأس الكدية

كتبهاجمال الموساوي ، في 14 يوليو 2009 الساعة: 08:32 ص

جمال الموساوي

قال لصاحبه وهو يحاوره: أغبطك لأنك احتفظت بصوتك لنفسك ولم تدل به إلى أي مرشح ليتقاذفه في لعبة التحالفات، يمينا وشمالا. فأجابه صاحبه وهو يحاوره: لم أكن لأقرأ ما يخفي الغيب، لكن الأشياء كانت واضحة إلا بالنسبة لمن كانت على عينيه غشاوة، أو أراد أن يتعامى.

فأُسقط في يد صاحبه ولم يجد من الكلمات ما يسعفه ليجيب.

 *****

الكثير من الناس لم يعد بإمكانهم فهم التداعيات التي انتهت إليها انتخابات يونيو الماضي، والكثير منهم اقتنع لمرة أخيرة، وبشكل نهائي أن الكثيرين من المحسوبين على الجسم السياسي بالمغرب لا علاقة لهم بالسياسة، ولا بممارسة اسمها الديمقراطية، تحتمل الفوز كما تحتمل الهزيمة، وبين هذين الاحتمالين تفترض الإيمانَ بأن الغاية والمنتهى من كل التنافس السياسي الذي تشكل الانتخابات أحد أكبر تجلياته، هو الاقتراب أكثر من المواطن ومن قضاياه، من أجل هدف آخر أكبر هو تمكين المجتمع من أسباب الحياة الكريمة.

لقد كان المواطنون مدعوين للتصويت بكثافة على وجوه كثيرة، هي في الواقع وجوه بلا ملامح تذكر، وطبعا ليس المقصود بالملامح هنا ما صوره الله، بل تلك الملامح السياسية التي تشكلها القناعات الفكرية والتوجهات الإيديولوجية المتحكمة في سلوك الفرد السياسي. ذلك أن الوجوه لتي ألفنا حضورها في المشهد الانتخابي، لا أريد أن أقول السياسي، حالت ملاحها حتى لم يعد بالإمكان فرزها نتيجة كثرة التنقل بين الأحزاب (بحال إلا مساكن تابعين طرف ديال الخبز فين ما كان !). هذا التنقل ناتج عن اقتناع هؤلاء بأن المغاربة لم يسبق لهم أن صوتوا على حزب أو على برنامج وأفكار، وإنما على أشخاص بعينهم مراعاة للانتماء العائلي أو القبلي، أو بناء على حوافز آنية تتمثل بطبيعة الحال في الرشاوى الانتخابية التي تجأر جميع الأحزاب بالشكوى منها، وهذا الإجماع على استعمال المال في الانتخابات يجعل البحث عن الحقيقة صعبة، وبالتالي يفتح الباب أمام إغلاق الملف بعد النظر في عدد محدود من الحالات.

لقد فهم الناس - من لم يكن قد فهم بعد - أن الممارسة السياسية لم تعد تستند إلى قناعات، بل فقط يكفي ارتداء الأقنعة السياسية من أجل الدخول إلى المعترك الانتخابي، حتى بدون رصيد نضالي من أي نوع (الاستثناءات القليلة غير معنية بكل هذا على كل حال). ما يساعد أكثر بعض الناس على اللجوء إلى هذه الأقنعة الترحيب الذي يجدونه في الأحزاب التي يتخذونها مطية إلى حين، وقارب عبور إلى مصالح واضحة، بحيث إن الأحزاب هي الأخرى، وفق بعض الدراسات التي همت الحقل الانتخابي بالمغربي (ترانسبارونسي المغرب و منظمة DRI الألمانية مثلا)، تلجأ إلى استقطاب الأعيان وذوي النفوذ المعنوي والقدرة المالية من أجل ضمان مقاعد إضافية في بعض الدوائر.

اعتبارا لكل هذا ليس من المستغرب أن نعايش التداعيات التي أسفرت عنها انتخابات 12 يونيو الماضي، بحيث تحولت التحالفات إلى مجرد لعبة لشد الحبل بين الأحزاب كما بين الأشخاص، لقطع الطريق على بعضهم البعض، ولم يعد مهما احترام إرادة الناخبين الذين اختلط عليهم اليمين واليسار وما بينهما، حيث وجد الذين أدلوا بأصواتهم امتثالا لقناعات معينة أن أصواتهم استُغلت للتحالف مع أصحاب القناعات النقيض لما يؤمنون به، أو مع أولئك الذين ظنوا أنهم عاقبوهم بعدم التصويت عليهم لأنهم لم يقدموا شيئا يذكر لجماعتهم المحلية، كما لم يعد مهما ما إذا كانت هذه التحالفات ستسفر عن برنامج عمل قابل للإنجاز وقادر على الاستجابة بشكل فعلي لحاجيات الجماعة وسكانها.

إن ما وقع بعد انتخابات 12 يونيو 2009 وقبل وأثناء تشكيل المجالس المحلية يعكس بوضوح أن المغاربة يجدون أنفسهم مع كل استحقاق أمام كائنات انتخابية بلا ملامح سياسية، وبلا هوية إيديولوجية أو فكرية، وأن كل رصيدها هو حجم نفوذها (بمختلف أنواعه) في القبيلة أو المدينة، فقط لأن هذه الكائنات واعية بأن قواعد اللعبة يمكن التحكم فيها باستعمال الرصيد المذكور بغض النظر عن البرنامج أو الأفكار التي تشكل مرجعية المرشح.

*****

قال لصاحبه وهو يحاوره، أغبطك لأنك مرتاح. احتفظت بصوتك لنفسك، ولست معنيا بما حدث بعد ذلك. فأجابه صاحبه وهو يحاوره، ما كنت لأترك صوتي تتقاذفه الأهواء يمينا وشمالا، ويتم الدوس عليه قنطرة للعبور إلى غير ما أريد.

فبهت الذي يحاوره وقال أَسِفاً، اللبيب اللبيب من بالإشارة يفهم، وأنا بالرغم من كل الإشارات التي رافقت عملية الترشيح (بعض الصحف أشارت إلى أن وكلاء بعض اللوائح أكملوا لوائحهم بمن هب ودب بعد أن عز عليهم العثور على مناضلين في أحزابهم)، وما شاب الحملة الانتخابية من مظاهر لا علاقة لها بالتنافس الديمقراطي، لم أفهم وكأن رأسي، على رأي المثل الشعبي، "كدية".

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بين قوسين | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر