وزارة الثقافة2001             أنفوبرانت فاس 2007

المغرب في حاجة إلى شكيب الخياري

كتبهاجمال الموساوي ، في 7 يوليو 2009 الساعة: 12:28 م

جمال الموساوي

 

من بين الأحداث التي عرفها المغرب في الآونة الأخيرة، إضافة إلى الحكم الصادر في حق ثلاث جرائد مغربية لفائدة القذافي، صدور حكم قضائي بثلاث سنوات سجنا وغرامة مالية تقترب من 76 مليون سنتيم في حق شكيب الخياري رئيس جمعية الريف لحقوق الإنسان، الذي عرف باهتمامه الكبير بملف المخدرات في المغرب بشكل عام، وبزراعة القنب الهندي على وجه التحديد بما هي ممارسة قديمة في منطقة الشمال.

التقيت الخياري مرتين. مرة عابرا، ومرة في برنامج "لجنة تقصي الحقائق" على قناة بي بي سي العربية، كان مخصصا لمناقشة موضوع المخدرات في المغرب، وأسباب انتشارها، مع عرض حالتين لمدمنين سابقين.

وبالرغم من أن البرنامج المذكور موجه لملايين المشاهدين العرب، لم يعمد الخياري إلى تسفيه جهود الدولة المغربية في محاربة المخدرات، لكنه في نفس الوقت، ظل يدافع عن ضرورة بذل الكثير من الجهود من أجل إيجاد حل لمشكلة زراعة القنب الهندي وإنتاج الحشيش في منطقة الشمال على وجه الخصوص. ولعل من بين النقط الأساسية المتفق عليها من قبل جميع المهتمين بالموضوع، بما في ذلك مكتب الأمم المتحدة لمحاربة المخدرات والجريمة المنظمة، ما يتعلق بارتباط الاتجار في المخدرات، سواء على الصعيد المحلي أو في إطار شبكات دولية منظمة متعددة الجنسيات، بالفساد المستشري في بعض أجهزة الدولة، وهي قضية معروفة، وأكبر دليل على ذلك أن العديد من الرؤوس النافذة في بعض تلك الأجهزة سقطت مع سقوط أباطرة المخدرات.

لهذا كان الارتباط المتين بين الترويج الدولي للمخدرات وفساد بعض المسؤولين في بعض الأجهزة، وبالتالي الارتباط بين الضرورتين: ضرورة محاربة الفساد، من أجل تحقيق الضرورة الأخرى أي محاربة ترويج المخدرات، من بين أكثر الانشغالات التي أخذت الكثير من جهود الخياري وهو يكتب مقالات، أو يصدر بيانات، أو يدلي بتصريحات هنا وهناك، ولعل المحاكمات والحملات التي طالت بعض كبار أباطرة المخدرات، كشفت بما لا يدع مجالا لأي شك أن الخياري لم يكن يملك خيارا آخر غير خيار التأكيد على هذه الحقيقة، وهي حقيقة لا تسفه مطلقا جهود الدولة في ما يتعلق بمعالجة هذا الموضوع بشكل حثيث، فهي تعالجه، بنوع من الاضطرار، أحيانا، ما دام أنه يحتل حيزا مهما ضمن شروط أجندة المساعدات الأوربية، إضافة إلى شرط العمل على وقف تدفق الهجرة غير الشرعية إلى الضفة الشمالية للمتوسط.

وإذا كان من المهم النظر إلى العلاقة الجدلية بين الفساد والمخدرات، فإن الخياري انشغل إضافة إلى ذلك بكون الفلاحين الذين يكدون في حقول القنب الهندي لا يجنون من وراء كدهم إلا نزرا يسيرا من "رقم معاملات" سوق المخدرات المحلية والدولية، وأن الأباطرة الكبار هم الذين يراكمون الثروات التي يتم تبييضها هنا وهناك، وقد دفعته هذه الوضعية، رفقة فاعلين محليين آخرين، إلى تبني توجه يرمي إلى فتح نقاش وطني حول ضرورة تقنين زراعة القنب الهندي ما دام أن الدولة غير قادرة على تقديم بدائل ذات مردودية للمزارعين، حيث من شأن هذا التقنين توجيه محاصيل القنب الهندي نحو استعمالات بديلة بعيدا عن إنتاج الحشيش، وفي هذا السياق جاء في الوثيقة التي تدعو إلى فتح هذا النقاش أن " العديد من الدراسات المختبرية الحديثة أثبتت أن لنبتة القنب الهندي مجموعة كبيرة من الخصائص والمميزات التي تجعلها مستجيبة إلى حد بعيد للفلسفة التي تعبر عنها الاتفاقية الوحيدة للمخدرات بصيغتها المعدلة، سواء في ما يتعلق بالاستعمال الطبي والعلمي بشكل عام، أو في ما يتعلق بالمجال الصناعي، فمن جهة فإن الاستعمالات الطبية لنبتة القنب الهندي قد أخذت تتطور في الوقت الراهن إلى حد كبير، حيث تستخلص منها مجموعة من الأدوية و العلاجات الفعالة خاصة للحد من الآلام الشديدة خصوصا لدى المرضى المصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة أو السرطان، إلى جانب علاجات أخرى، و ذلك بمجموعة من بلدان العالم المتقدمة التي تبنت بشكل لا رجعة فيه دعم و تطوير هذا الاستعمال، من ضمنها بريطانيا و كندا و سويسرا و إسبانيا و هولندا و بلجيكا و كذا مجموعة كبيرة من الولايات الأمريكية".

إنه إذا كانت الدولة قد نجحت، في إطار سياستها لمحاربة الاتجار في المخدرات، في تقليص المساحات المزروعة بالقنب الهندي، حسب آخر تقارير مكتب الأمم المتحدة إلى نحو 60 ألف هكتار، وفي اعتراض الكثير من الشحنات "الوازنة" من الحشيش الموجه للسوق الأوربية، وفي إسقاط كثير من المتورطين فعليا في هذه التجارة فإن ذلك لا يمنع من النظر في أسباب استفحال الظاهرة، وفي أسباب استمرار محاولات تجار المخدرات الدؤوبة لشحن المزيد من الأطنان من الحشيش بالرغم من تشديد الخناق عليهم خلال الفترة الأخيرة.

ولذلك أعتقد أن المغرب في حاجة إلى شكيب الخياري، وإلى محاميّ تطوان وإلى قناص تاركيست وإلى الصحافة وغيرهم ، لأن هؤلاء يساهمون في الكشف عن بؤر الفساد التي يتعين على الدولة استئصالها والقضاء على أسباب وجودها، بدل تقديمهم للقضاء ومحاكمتهم، فهم أنفسهم يحاكمون واقعا لا يرتفع، تعترف الدولة نفسها بوجوده، وتتبنى حياله خطابا صارما، لكن هذه الصرامة تتبدد أمام المعاناة التي يؤول إليها فاضحو الفساد في نهاية المطاف !

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر