وزارة الثقافة2001             أنفوبرانت فاس 2007

الصحافة كمصدر للثروة !

كتبهاجمال الموساوي ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 22:50 م

 جمال الموساوي

هناك طرق عديدة للإثراء معروفة، تتراوح بين الجهد الذاتي الذي يعرق فيه المرء، وهناك "الورث"، وأيضا هناك الاختلاس وتحويل أموال عمومية إلى حسابات خاصة، ثم هناك "التبزنيس" والاتجار في المخدرات، وفي البشر، كما هناك أيضا، أحيانا، الترشح للانتخابات التشريعية أو المحلية و"استثمار" مبالغ طائلة من أجل الفوز بالمقعد، ثم "استثمار" هذا المقعد لاستعادة "راس المال" وتحصيل الأرباح، ولا شك أن هناك الكثير الكثير من الطرق الأخرى التي دأب الناس على سلكها من أجل الوصول إلى الثروات، علما أن بعض هذه الطرق قد تنتهي بسالكيها إلى الأقبية المظلمة بسبب وجود "حفرة" في الطريق التي تم سلْكها، أو بسبب حملة من الحملات الشهيرة، والتي سبق لها أن أسقطت العديد من الوجوه، ومن الأقنعة التي كانت تتسر على تلك الوجوه.
هذه الطرق كلها ليست جديرة بعمود صحفي، لأن هناك طريقة أخرى اهتدى إليها البعض في السنوات القليلة الأخيرة، وصاروا يتنافسون من خلالها على تحصيل أكبر قدر من المغانم. خلاصة القول أن هامش الحرية الذي باتت تحظى به الصحافة في المغرب، وكذلك حرية التعبير عن الآراء والقناعات السياسية وغير السياسية فتح الباب ليتحول هذا الانفراج، الذي لم يكن المغاربة يحلمون به في وقت سابق، إلى مجال للمطالبة بالثروات، بدلا من الدراهم الرمزية التي كانت عملة رائجة في أعوام خالية.
لقد تحولت بعض الصحف المغربية إلى مصادر مهمة يمكنها أن تدر عشرات الملايين في رمشة عين، ليس على الصحفيين والعاملين في هذه الصحف وإنما على بعض الناس، حتى إنه قد لا يعود من المستغرب مستقبلا أن نجد من الناس من يتمنى أن تنشر جريدة ما صورته أو اسمه ليبدأ في "الإجراءات" القانونية للمطالبة بثروته.
ما يدفع لهذا الكلام هو حالات التضييق التي عاشتها وتعيشها مجموعة من الصحف التي بدأ ظهورها مع بداية تجربة "الانتقال الديمقراطي" وبدايات العهد الجديد. وتبدو هذه الحالات من الكثرة بحيث بات من المحتم على الذين يدخلون مغامرة الاستثمار في مؤسسة صحفية أن يضعوا نصب حساباتهم أن احتمال الإفلاس أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنهم قد ينامون ويستيقظون على كوابيس قوامها عشرات الملايين من الدراهم الحقيقية وليس الرمزية، عليهم دفعها يمينا وشمالا لأشخاص طبيعيين ومعنويين وأحيانا لزعماء.
بهذا لم تعد الصحافة مهنة للمتاعب فحسب كما كانت دائما، لكنها تحولت إلى مهنة للمتاعب وللمتابعات المكثفة أيضا، وإلى طريق جيد للإثراء بالنسبة للبعض على حساب جهود الصحفيين المجتهدين من أجل تمكين المواطنين من حقهم في الإعلام والمعرفة. لا أعتقد أن رد الاعتبار لشخص ما أو لمؤسسة ما يحتاج إلى إعدام الصحيفة التي يفترض أنها ارتكبت الخطأ، لكن ما دمنا قد ألفنا العيش في محيط يحكمه منطق المال ومنطق "اللي عندو يسوى واللي ما عندوش ما يسواش" فإن مطالبة الصحف بأداء تعويض قدره عشرات الملايين ليس أمرا مستغربا ولا مستهجنا.
الطريف في الأمر أن ما حدث ويحدث لمجموعة من الصحف بالمغرب، بعضهما أفلس وبعضها يقترب حثيثا من ذلك بفعل تراكم الدعاوى، جعل "أطرافا خارجية" تطمع في نصيبها من الأموال التي ستوزعها هذه الصحف، إذا قدر للأحكام الصادرة ضدها أن تنفذ. والطريف أيضا أن الأمر لا يتعلق بطرف خارجي من درجة عادية، لذلك لم يكن عاديا أيضا أن يطالب ثلاثة صحف مغربية بأداء تسعة ملايين درهم مقابل ما يفترض أنه قذف، في وقت يتعرض فيه هذا الطرف يوميا لمختلف أنواع القذفات والقذائف من قبل صحافة العالم بأسرها دون أن يحرك ساكتا.
ومن المؤكد أن ما يحرك هذا الطرف الخارجي في مواجهة الصحف المغربية ليس هو الرغبة في مراكمة ثروة إضافية، بل أمر آخر لا ينفصل عن الرغبة المستمرة منذ عقود لتكريس صورة الزعامة التي لا كلمة تعلو فوق كلمتها، وأنها إذا أرادت شيئا إنما تقول له كن فيكون، وأنها ربما تحلم بمن يصبح ويمسي عليها بقول ابن هانئ الأندلسي للخليفة المعز
"ما شئت لا ما شاءت الأقدار= فاحكم فأنت الواحدالقهار" كما لو أننا في زمن غير الزمن.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بين قوسين | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر