وزارة الثقافة2001             أنفوبرانت فاس 2007

شنآن عائلي

كتبهاجمال الموساوي ، في 10 يونيو 2009 الساعة: 08:48 ص

جمال الموساوي

هذه الأيام دخلت في خصام يومي مع ابنتي البالغة خمسة أعوام وبضعة أشهر. السبب في ذلك أنها عوض أن تكون مولعة بالرسوم المتحركة، أضحت تنتظر المسلسل المكسيكي المدبلج إلى الدارجة المغربية الذي تبثه القناة الثانية مساء كل يوم.

هذا المسلسل، واعتبارا لبعض اللقطات التي شاهدتها اضطرارا أثناء محاولاتي ثني ابنتي عن متابعته، بدا لي أنه مسلسل سوقي جدا، بكل ما تعنيه كلمة سوقي في ثقافتنا الشعبية. لذلك أجدني مضطرا، بشكل شبه يومي، إلى نوع من العنف المعنوي، الذي تخوله لي "سلطتي الأبوية" والذي لا يمكن لطفلة صغيرة أن تستوعب مبرراته ولا غاياته، خاصة أنها مقتنعة بأن حجتي واهية مادام أن الممثلين يتحدثون "بالْعَرْبِية"، وتعني الدارجة، وبالتالي فهو بحال "رمانة وبرطال" وبحال "سير حتى تجي" وبحال "مبارك ومسعود" وبحال "العوني"  وغير ذلك.

بمعنى آخر يبدو أن القناة الثانية اهتدت، بذكاء شديد، إلى الكيفية التي تمكنها من استقطاب جمهور إضافي لكل الرداءة التي تستوردها من هنا وهناك، حيث لم تعد مشاهدة هذا النوع من المسلسلات مقتصرة على تلك الفئات التي تفهم اللغة المكسيكية "على الطريقة العربية" وإنما امتدت الآن لتشمل جمهورا أصغر سنا لأنها تتحدث باللغة "الْعَرْبِية" التي يرضعها أغلب المغاربة مع حليب أمهاتهم.

وهكذا صار بإمكان الأطفال أن يتعرفوا منذ حداثة أسنانهم إلى كل العبارات والمواقف و"الممارسات" التي تخص مراحل متقدمة من العمر، والتي قد تكون زاد المراهقين الباحثين عن الحب أو الناس العابثين الباحثين عن متع عابرة، وبذلك تكون القناة الثانية قد ساهمت إلى حد ما في تربية الأطفال على أنواع من السلوك هي في الواقع انحرافا أو بالأحرى "تحريفا" للسلوك الطفولي البريء المعجب في الغالب بأبطال الرسوم المتحركة، وأيضا ببعض الأعمال الفنية المغربية خاصة السيتكومات والمسرحيات، إضافة إلى بعض الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تظل، مهما كان مضمون ما تعالجه، قريبة من إدراك الطفل المغربي.

ويساورني هنا سؤال ملح جدا بشأن ما أقدمت عليه القناة الثانية من خلال بثها لمسلسل مكسيكي مدبلج إلى الدارجة المغربية، هو كيف عمدت إلى ذلك في الوقت الذي أجمع ويجمع مختلف المتتبعين لما تم بثه، منذ هبوب رياح الدبلجة بالمسلسلات المكسيكية والبرازيلية ثم التركية، على أن هذه المسلسلات تنزل بالذوق العام إلى درك سحيق، وأنها لا تقدم فائدة ولا تغني فكراً، وأن ما تعالجه لا يمت بأي صلة إلى نوعية علاقاتنا و قضايانا ومشاكلنا الاجتماعية والأسرية والمهنية؟

لقد تعودنا، عندما نطرح سؤالا ألا ننتظر أجوبة، وهو ما يدعوني إلى الاسترسال في القول إن دبلجة هذا المسلسل إلى لغة أطفالنا، وهي حلقة فقط ربما في "مسلسل" طويل يروم دبلجة الكثير مما أنتجته المكسيك والبرازيل وتركيا، هي أولا عمل يذهب عكس ما يفترض أن تسعى إليه قناة تلفزية مغربية من ترفيه وتثقيف، وتربية أيضا على منظومة معينة من القيم، وهي ثانيا تجنٍّ على ذوق أطفالنا وعلى ميولهم الطبيعية لمشاهدة ما يناسب أعمارهم وما ينمي قدراتهم الذهنية والفكرية، وهي ثالثا يعبر عما وصل إليه مستوى ما تقدمه القناة الثانية في طريقها إلى استبعاد البرامج القريبة من الناس سواء كانت برامج ذات طابع ثقافي أو اجتماعي أو فني، قادرة على الرقي بذوق المشاهدين وبفكرهم.

لقد استوردنا عملية الدبلجة، كما نستورد أي شيء. قام السوريون واللبنانيون بدبلجة هذه المسلسلات إلى اللهجة الشامية وإلى اللغة العربية، فما الذي يدفعنا في المغرب إلى تقليدهم في نفس ما يقومون به، ألم يكن ممكنا اختيار أعمال عالمية أكثر رقيا وفائدة؟  ألم يكن أولى أيضا تعميق فكرة إنتاج ومراكمة مزيد من الأعمال المغربية القريبة على الأقل منا، لغة وممثلين ومواضيع؟

طبعا، لا أنتظر أجوبة من وراء هذه الأسئلة، ولكني أريد الإشارة فقط إلى أن الصغيرة ذات الخمس سنوات وبضعة أشهر تبكي، بشكل شبه يومي، في ساعة معينة من النهار بسبب القناة الثانية، وأشك في أنها الوحيدة التي تفعل ذلك. 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بين قوسين | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر