وزارة الثقافة2001             أنفوبرانت فاس 2007

قراءة في ديوان ( مدين للصدفة ) لجمال الموساوي _ الوعي القلق _

كتبهاجمال الموساوي ، في 27 مايو 2009 الساعة: 09:48 ص

فؤاد أفراس

بعد ديوانه الأول ( كتاب الظل ) 1 ، أصدر الشاعر المغربي ( جمال الموساوي ) ديوانه الثاني تحت عنوان ( مدين للصدفة ) 2 ، و الصدفة تحمل معاني الالتماعة و الدهشة و حصول غير المتوقع و غير المنتظر أو المرتب له سلفا ، لذلك فالشاعر فرح بها إلى درجة أنه مدين لها ، لأن الصدفة عند الشاعر هي شكل من أشكال المعرفة في بعدها العرفاني و الإشراقي :

( ثمة أمر آخر
لا تشر إلا
إلى ما .. لا تراه ) ق : كن للوداع ص : 80

إن الشاعر هنا يستحضر الفعل الإشاري للشعر ، يستحضر جانب التلميح فيه ، على اعتبار أن المعرفة الشعرية مرتبطة بالحدس و بمخاطبة البعيد و الغامض ، إنها شكل من أشكال العماء الذي يعيد بناء رؤيته و صورة موضوعه :

( كن أعمى ، إذا شئت ، لكن ، من فضلك ، دع
قلبك يتصرف ) ق : قلت و أنت تحاورك ص : 51

رؤية و معرفة غير ملوثة بضوء الواضح و المباشر و المتعارف عليه ، كما أنها معرفة يلامسها الشاعر بملمس القلب و الحدس ، لكنه لا يستطيع أن يفردها و يعزلها و بالتالي يسميها ، لذلك يكتفي الشاعر برصد الحركة و الاضطراب اللذين يعتملان فيه :

( دونما خوف
تتآكل الفكرة بين أصابع الكف الواحدة
بينما أرجوحة تهتف بي من بعيد . الأرجوحة
ذاتها
تسكن قلبي دائما ) ق : انخطاف ص : 5

فالأرجوحة تعبر عن الحركة و الاضطراب ، و هذا يشير إلى أن الشاعر يقطن في التحول و التغير الملازمين لكل معرفة حقيقية ، و ليس في الثبات و السكون الملازمين لكل معرفة يقينية و منغلقة على ذاتها ، أو قوله :

( الوهم الذي يرتج هناك
يقترب : الحروف لا تتسع أكثر
و خطاي بلا أثر
في الأرض .. ) ق : الوهم ص : 11

فكلمة ( يرتج ) فيها معنى الحركة و الاضطراب ، أما كلمة ( الوهم ) ففيها معنى حالة ، لذلك فالشاعر على طول قصائد ديوانه لا يتبنى قضية أو موقفا أو فكرة ، بل يعبر عن حالات من خلال رصد حركة هذه الحالات و صيرورتها و الصور التي تأتي عليها ، و حتى عناوين بعض القصائد فهي عبارة عن حالات مثل : ( انخطاف ، الوهم ، شبح المعنى ، فرح لا يصل ، رتابة .. ) ، كما تحضر كلمات من قبيل :
( المعتم ، الغائم ، المبهم ، المحتمل .. ) ، للدلالة على أنها حالات خفية و بعيدة و تحضر مثل ومضات و انخطافات سريعة .. أو قوله :

( كن كما أشتهي
غيمة لا تعد
جرسا يدق لا لصلاة ،
يدق فقط كي يهتز القلب ) ق : كن ص : 19

فالشاعر لا يروم و لا يتقصد أي هدف ( وعد أو صلاة ) ، بل شهوته كامنة فقط في اهتزاز القلب ، أي فيما يثير و يحرك و يهيج ، فيما يخرج الحواس من سكونها و كمونها إلى هيجانها و اضطرابها ، مما يجعل الذات الشاعرة في حالة بحث و قلق و التباس :

( كن هناك قرب عتمة في
الروح . قرب ما يفر إلى الضوء
من أحلام ، و من سلام لا يدرك .
كن لي شظية
كي أبحث عن أعضائي في هذا
الأفق
و كي أسرق وقتا للتأمل
في بعض خلاياي ) ق : كن ص : 20

إنها اللذة التي يحملها البحث و التفكير و التأمل في الذات المتشظية و المتصدعة بعوامل تهدد كينونتها ، و تمارس عليها عنفا لا يترك مجالا لراحة أو سلام ، فلا يمكن للكائن أن يتخذ موقف الحياد و التنحي ، لأنه منخرط رغما عنه في سياقات أكبر منه ، بما تشتمل عليه تلك السياقات من تصدعات و تحولات تهدد الكينونة بالزوال و الانمحاء :

( لست وحدك ، دائما ، في الهجير
أحيانا ، تعتقد أنه بإمكانك الوقوف في
الوسط .. هراء .
المستنقع هو دائما . فقط ، أن تقف على حافته ليس هو أن تسبح فيه ) ق : قلت و أنت تحاورك ص : 48

فالوقوف على حافة المستنقع يمثل الوعي الشقي ، و إبصار الخطر القادم و الداهم ، بينما السباحة فيه فيمثل السهو و النسيان ، و الشاعر قد اختار الوقوف على الحافة لرصد التساقطات و الانهيارات التي تهدد كينونته :

( غير أن الفكرة ، في هذه اللحظة ، احتفلت بي
و العالم
خراب مسرف في السهو :
أين
تقيم أيها الضوء ؟ ) ق : انخطاف ص : 6

الشاعر إذن يمثل نبض العالم و ذاكرته الشقية ، هذا العالم الذي ينحدر باتجاه النسيان ، فيقوم الشاعر بتحويل مساره و اتجاهه نحو الوعي بذاته المتصدعة ، إنه يقوده باختصار نحو الضوء :

( في المطر المجنح تولد الوحدة
بأضلاعها الممتدة
فيها يعرج وقت للوداع
و وقت للقاء
على حافة متربة ) ق : ظلال تطوي الأرض ص : 91

إنها الحافة دائما ، تلك المسافة الفاصلة بين السقوط ( وقت الوداع ) و الإقامة ( وقت اللقاء ) ، إنها حافة متربة و متآكلة أي أنها تشير إلى الهاوية ، إلى الموت تحديدا ، هذا الأخير من مهددات الكينونة و هاجس مهيمن في هذا الديوان ، بحيث يحضر معجم الموت بوفرة مثل : ( الزوال ، العدم ، التلاشي ، الغروب ، المغيب ، الوداع .. ) ، كما أن الموت يحضر دائما مقترنا بالزمن ، فالشاعر واع و منتبه إلى انسراب الزمن الذي يحمل معه انسراب الكينونة نفسها :

( الأفق دخان
فانظر كيف تأتي على الأيام
النيران
و انظر إليك
كيف يصطادك اللهب ) ق : كن للوداع ص : 80

إنه الزمن المنذر بالتحول و التغير ، فليس للكينونة خيار الوقوف في حد ثابت ينجيها من التغير و الانمحاء و التلاشي :

( للوداع ، أدر وجهك
ما من تفاوت
في اليمين
في اليسار
ما من حد ثابت في الوسط ) ق : كن للوداع ص : 81

كما أن القصيدة تحمل عنوان ( كن للوداع ) ، و ليس ( تلاش أو انمح .. ) ، فكيف تتلاقى الكينونة و الحضور و الوجود المتمثل في كلمة ( كن ) مع الموت و التلاشي و الغياب المتمثل في كلمة ( الوداع ) ؟ ، إنه الوعي المضاعف الذي تحمله كلمة ( كن ) بالخطر القادم و الداهم الذي تحمله كلمة ( الوداع ) ، و كأن الكينونة مقيمة في العدم ، أو أن هذا الأخير هو من جنس الكينونة أو أحد وجوهها الأكثر بروزا و صدقا و تحققا :

( في القبر – قبر كل شيء -
يولد ملكوت آخر لا أعرفه
لا تعرفه الكائنات التي تزوره
و لا تقيم ) ق : ظلال تطوي الأرض ص : 91

فلا يمكن معرفة كنه الموت و سره ، إلا لمن أقام فيه ، فالمعرفة لا تتم من خارج الموضوع بل من داخله ، عن طريق معايشته و مكابدته، و بما أنه لا أحد من الأموات عاد من تجربة الموت ليحكي لنا عن جوهره ، فسيبقى الموت حالة تؤرق الإنسان و تثير فيه حيرة السؤال .

إن الشاعر كما يرصد الحركة و الاضطراب اللذين يؤكدان على صعود الحياة و مدها ، فأنه يرصد كذلك الزوال و الانطفاء اللذين يؤكدان على انسحاب الحياة و جزرها .. فالتأمل في الموت يضاعف الوعي و معه الكينونة ، فتنقلب الأدوار بأن تصبح الحياة هي الأصل بينما الموت مجرد طاريء و عارض ، و كأننا – هنا – أمام كينونتان :
كينونة مهددة و متصدعة بالزمن و الموت و الآخر ، و كينونة بانية و مرممة لذاتها بالتأمل و التفكر و الوعي المضاعف :

( للوداع كن .
و كن لكونك الذي أنت خالقه
و لا تترك الريح تأخذك للمغيب ) ق : كن للوداع ص : 81

إنها كينونة غير مستسلمة للحتم و للضرورة ، بل تعاند الخراب بالخلق و التكوين ، بما يسكن الذات من توتر حيوي و وعي قلق ، لذلك نجد حضورا طاغيا لمفردات القلق : ( ألم ، أرق ، الرهبة ، دوار ، انفصام .. )

إذن فالشاعر يكتب بوعي قلق ، و يخط قصائده بحبر الألم ، ليبقى مسكونا باليقظة و الأرق إلى الحد الذي يجعله يعيش كينونته بكامل تفاصيلها و دقائقها .

1 – جمال الموساوي ( كتاب الظل ) منشورات وزارة الثقافة و الاتصال 2001
2- جمال الموساوي ( مدين للصدفة ) مطبعة أنفو- برانت 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عن "مدين للصدفة" | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر