فلسطين في السؤال الثقافي
كتبهاجمال الموساوي ، في 11 يناير 2009 الساعة: 13:25 م
الكتابة ليست ترفاً، قد تكون كذلك بالنسبة لمن يعاني سؤال العدم.
الكتابة التزام ومسؤولية.
ليس هذا درسا أو حكمة، إنما من وحي تاريخ الكتابة في علاقتها بوجدان الشعوب.
عندما تتعثر الكتابة في تشرب وجدان الشعوب، تعلن خيانتها العظمى.
فلسطين كانت هي جوهر الكتابات العربية، ومحور النقاش الفكري والثقافي، وملتقى الاختلاف العربي. مهما تصدعت العلاقات بين المثقفين والمبدعين جاءت فلسطين لتعيد الصحو إلى الضمائر.
هكذا تربيت وأنا في الثانوية وأنا في الجامعة حيث كانت الساحة الطلابية ساحة فلسطينية بامتياز.
فلسطين كانت وعينا الجماعي، بها وعبرها كنا نبني وعينا حول قضايانا المحلية، وندرك مستوى نضجنا وتفكيرنا، بل كنا نفكر في قضايانا من خلالها باعتبارها أرقى أشكال الوعي بمعنى وجودنا.
هي الوعي.. والصحو.. والضمير.. والالتزام.. والنضال.. هي الذات العربية في أفقها وحلمها.
علمتنا أناقة الذوق في السماع والطرب والفن. كانت الأذن تفر من كل فن ساقط.
علمتنا كيف نصغي إلى مارسيل خليفة ونحن نبني في أفقنا فلسطين المحررة ونحلم بالقدس عاصمة فلسطين. وتربينا على قصيدة درويش، معنى أن تكون فلسطين قصيدتنا الموحدة، ذات الإيقاع المنسجم، والتفعيلة الحرة بانتظام، والحس المرهف الذي يدفع الذات إلى الجمال..
هكذا كانت فلسطين.
غير أن هذا الوعي المشترك بات باهتا في البيانات والخطابات والمؤتمرات، حيث بات الحديث عن فلسطين محتشما، والبيان باهتا، وأصبحت الكوفية الفلسطينية رمز النضال والمقاومة موضة في زمن الهز واللمز، وأغاني فيديو كليب، والفن الساقط، وزمن الفضائيات التي تصنع برامجها في دقيقة واحدة النجم الساطع، والملياردير الذي بإمكانه أن يعيد الحياة إلى الغول الأميركي…
يحدث كل هذا وغزة قبل المحرقة الصهيونية تحاصر، ويموت أطفالها ونساؤها جوعا في الوقت الذي تدفع فيه بعض الفضائيات العربية أموالا طائلة على جسد أنثوي يجيد هز البطن.
الثقافة ليست عبثا، إنها التزام بقضايا الشعوب، وحين تصير لعبة في الأيادي، تسجل خيانتها العظمى.
والانتماء إلى إطارات ثقافية وحقوقية ليس نزوة، إنما اختيار وجودي وفكري. وحين تعبث تلك الإطارات بمعنى الانتماء تسجل بدورها الخيانة العظمى. لأن مسؤوليتها تاريخية في أن تعبر عن وجدان وموقف المنتمين إليها، وإلا فلتذهب هي الأخرى إلى الجحيم.
ماذا يعني إطار حقوقي وثقافي لا يملك القدرة حتى على التعبير عن الإدانة لما يحدث في غزة؟
كنت أفترض مع تعطيل فلسطين في السؤال الثقافي، ومجيئها باهتة إلى حد الخجل في بيانات بعض الإطارات، أن القضية أصبحت هي الأخرى باهتة في فكر ووجدان الشباب، غير أنه انطباع تلاشى يوم الأحد 4 يناير، عندما وجدت أكثر المشاركين المحتجين في المسيرة الشعبية المغربية بالرباط المتضامنة مع غزة الكرامة، والمنددة بهمجية الصهاينة، ولامسؤولية الحكام العرب، كانوا شبابا يرددون شعارات من وحي زمنهم وقضاياهم، من وحي اللحظة التاريخية التي يعيشونها والتي جعلتهم هم الآخرين رقما في المزاد العلني مع زمن العولمة والهجرة السرية. انتبهت إلى أن الدم الفلسطيني متأصل في الوجدان العربي مهما حاولت سياسة التطبيع تلويثه بالفيروسات، كما انتبهت إلى الحضور القوي للنساء المغربيات ربات البيوت اللواتي خرجن بجلابيبهن بعضهن قادمات من مدن أخرى، من أجل تسجيل موقفهن التاريخي الذي لعبنه في مقاومة الاستعمار الفرنسي للمغرب، ورأيت في حضورهن القوي خطابا مباشرا إلى كل أولئك الذين يدفعون بالمرأة إلى سوق المزاد العلني، خطابا تعبر من خلاله على بعد نظرها، ونضجها وفعاليتها. كان الشعب حاضرا وبامتياز، بعيدا عن الأحزاب والحركات والإطارات، كان الشعب يندد بالمحرقة في غزة الكرامة، إنه وعي ناضج كغيره من أشكال الوعي الاحتجاجي الذي شهدته وتشهده الشوارع العربية والتي تؤكد من جديد أنها شعوب في حاجة إلى مثقفيها لكي يعيدوا إليها الصحو بعدما خذلتهم السياسات والرهانات على أوراق خارجية.
لكن، هل نحن في حاجة إلى محرقة حتى يصحو ضميرنا، ونعيد فلسطين إلى السؤال والتفكير والنقاش والإدانة والاحتجاج؟
ألم يكن من الواجب باسم الدم والأصل والهوية والمسؤولية التاريخية أن نحافظ على حضور فلسطين سؤالا حيا نابضا في سؤالنا الثقافي، من خلال اعتبارها قضيتنا الأولى التي توحدنا في زمن التفرقة، وتمدنا بأسس المقاومة في زمن الاختراق.
ألم يكن علينا كمثقفين ومبدعين ومفكرين وسياسيين في هذا الوطن العربي أن نجعل فلسطين لازمة في مشاريعنا وخطاباتنا وسلوكنا الرمزي وكتاباتنا ومنظومتنا التعليمية في زمن تتفنن فيه إسرائيل في اختراق تعليمنا وإدخال إسرائيل إلى المعجم العربي حتى أصبحت تعبيرا طليقا في اللسان، وبات أطفالنا يحفظون أناشيد السلام في مدارسهم وإسرائيل تتربع لائحة الدول المنادية بالسلام.
باسم الدم الذي يجري في أرض غزة الكرامة، وباسم الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ والمقاومين الذين يسقطون كل ثانية في غزة الكرامة، باسم ذاكرتنا الجماعية، علينا كمشتغلين في الثقافة والكتابة والمعرفة والعلم أن نمارس دورنا التاريخي في أن نجعل فلسطين قضية وطنية، حاضرة بقوة في أسئلتنا ومشاريعنا ورهاناتنا، في أفقنا وحلمنا، في أن تصبح درسا إلزاميا في مختلف التكوينات التعليمية في بلداننا، في أن نعيد الاعتبار إلى الكوفية الفلسطينية باعتبارها رمزا لفلسطين المحتلة والتي يجب أن نساهم في تحريرها وليست موضة في فيديو كليبات روتانا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ضيوف المدونة | السمات:ضيوف المدونة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























يناير 11th, 2009 at 11 يناير 2009 1:49 م
قال صلى الله عليه وسلم ( ……. وسوف تفترق هذه الامة على 73 فرقة كلها في النار إلا واحده ….. الحديث ) جاهدوا أنفسكم وأهوائكم واجعلوها تبعاً لما قاله نبيكم وإلا فلهزيمة عنوانكم