حوار مع القاصة فاطمة بوزيان
كتبهاجمال الموساوي ، في 3 فبراير 2006 الساعة: 22:07 م
فاطمة بوزيان ،قاصة من الجيل الجديد قادمة من مدينة الحسيمة هذا الهامش الذي رجه الزلزال الأخير وحول بعض مناطقه الى مناطق منكوبة تأتي فاطمة حاملة قصصا تمتح من صميم هذا الهامش لتعكس بعض مايعرج فيه من تناقضات ومن ازدواجية في التفكير كغيره من الفضاءات ولكن بحدة أكثر قليلا تأتي اذن الى جانب أصوات ابداعية أخرى من ذات الفضاء لتفك عنه بعض العزلة وتمنحنا امكانية النظر اليه كفضاء ابداعي أيضا، وكانت هذه كلماتها لننصت:
- باعتبارك قاصة شمالية عشت في مدينة الحسيمة هل تعتقدين ان الزلزال الأخير سيساهم في أن يتم الالتفات أكثر إلى منطقة الحسيمة التي ظلت على هامش كل شيء؟
* رغم أن هناك كلام كثير حول إعادة ا عمار إقليم الحسيمة وفك حصار التهميش عنها مع ذلك أجد انه من المضحك المبكي ان نكون بحاجة إلى زلزال كي يتم الالتفات إلينا وأظن أن ماتم إلى حد الآن غير كاف حتى لتجاوز مخلفات الزلزال وبالأحرى تنمية المنطقة مع ذلك أتمنى أن يتم تنفيذ ما أعلن عنه من مشاريع خاصة في مجال إصلاح الطرق واعادة تأهيل القطاعات الاقتصادية خاصة ان للمنطقة مؤهلات سياحية وإمكانيات مميزة في مجال الصيد البحري لم تستغل لحد الآن
-إلى أي حد يسمح فضاء هامشي كالحسيمة بإنتاج أعمال إبداعية وماذا تمثل في الإبداع المغربي عموما ؟
*عندما كنت أعيش في مدينة الحسيمة كنت أظن أن الحركة الثقافية والإبداعية لابد وأن تكون مزدهرة في المدن الكبرى بحجم مدينة الرباط نظرا لوجود حد أدنى من المؤسسات الثقافية /الخزانة الوطنية ، الجامعة ، اتحاد الكتاب ، المكتبات ،،،لكن سرعان ما اكتشفت ان الاحتفاء بالثقافة وبالإبداع يتم في الهوامش أكثر من المراكز لاحظت ذلك من خلال مشاركتي في بعض الملتقيات في مدن صغيرة مثل تازة ، مشرع بلقصيري ، زاكورة ، العرائش…دائما يكون هناك جمهور بشكل لا يمكن ان تحلم بحضوره في الرباط مهما كانت الجهة المنظمة وفي أي مناسبة ثقافية .لهذا أعتقد ان فضاء مدينة الحسيمة الهادئ والجميل هو بالأساس فضاء إبداعي بامتياز وقد أفرز أسماء شعرية وروائية وتشكيلية لها وزنها في المشهد الإبداعي المغربي، إنما لضمان استمرار هذه الحركة الإبداعية من خلال ظهور أسماء جديدة في المنطقة لابد من خلق مؤسسات ثقافية ولابد من أن يأخذ المجتمع المدني على عاتقه مهمة تفعيل الفعل الثقافي وتشجيعه
-هل ثمة سمات معينة على مستوى التخييل والبناء الفني يمكن أن يؤشر على خصوصية ما لدى القصاصين الجدد بالمغرب ؟
*رغم انه من الصعب القول بوجود حدود فاصلة بين التجارب الإبداعية القصصية الماضية والجديدة نظرا لاستمرار التداخل والتقاطع في التجارب الإبداعية بين الأجيال الأدبية من جهة، ونظرا لان القصاصين الجدد ليسوا كتلة واحدة بل يمكن الوقوف على عدة تجارب قصصية لدى الجيل الجديد بل لدى القاص الواحد مع ذلك يمكن رصد عدة سمات فرضتها المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والإبداعية إلى الحد الذي تبدو معه القصة كما يقول نجيب العوفي بلا ايديولوجيا بلا سياسة وبلا نموذج أو مثال تحتذيه أو تأتسي به ، ناظرة خلفها بغضب وناظرة حواليها وأمامها بغضب ،وهذا الفراغ الإيديولوجي أدى إلى تراجع المدلول الاجتماعي في مقابل تنامي المدلول الذاتي في القصة الجديدة صحيح ان المتخيل الواقعي مازال حاضرا من خلال تناول قضايا جديدة وطارئة كالهجرة السرية والبطالة و تراجع الوضع الاعتباري للثقافة والمثقف لكنه صار يشمل أكثر الواقع الذاتي الداخلي لقاص لم يعد يؤمن بالمفهوم المثالي للفن والإنسان و الوطن واستتبع ذلك على مستوى الشكل تدمير قدسية اللغة من خلال المزج بين اللغة الشعرية والنثرية وبين العربية الفصحى و الدارجة بل وتوظيف لغة الوسائط التكنولوجيا والاستعمال المكثف للضمير المتكلم وتداخل صوت القاص مع صوت السارد وتشذير النص القصصي أو اختزاله في شكل قصص قصيرة جدا بحجم sms/رسائل المحمول كي تقرأ بنظرة واحدة وليس في جلسة واحدة وكي يسهل نشرها في الجرائد أو عبر الانترنيت ومع ان بعض هذه الموصفات حاضرة في بعض الكتابات السابقة لكنها تبدو طاغية أكثر على فضاء القصة الجديدة
-إذن في رأيك لماذا للجيل الجديد هذا الميل إلى الاحتفاء بالذات والخيبة ؟
* ربما لهذا علاقة بالوضع السياسي والاقتصادي والثقافي، مثلا في فترة الاستعمار انشغل القاص بهموم الوطن المغتصب على اعتبار ذلك هما جماعيا كبيرا تذوب أمامه وفي خضمه الهموم الصغيرة لكن بعد الحصول على الاستقلال أصبح حلم تأسيس مجتمع قائم على الديمقراطية بعيد المنال و ستتراكم الخيبات التي ستفرض ظلالها على القاص الذي سيكتشف تراجع الوضع الاعتباري للمثقف في مقابل تنامي مركز السياسي وتضاؤل سلطة الثقافة أمام سلطة المال لهذا سيحضر الهم الفردي في المتن القصصي عوض الهم الجماعي والاحتفاء بالمعيش اليومي في تفاصيله الصغيرة عوض الكبيرة خاصة كما قلت ان القاص الجديد وهو يكتب يدرك أن الكتابة ليس بوسعها التأثير في المجتمع أو تغيره انه يحاول فقط التعبير عن تفاعل لغة الذات المبدعة مع لغة المجتمع مع لغة المؤسسات الآمرة مع لغة الأخلاق …
-في تجربتك القصصية خاصة من خلال مجموعتك القصصية همس النوايا يبدو تصويرك لعلاقة الرجل بالمرأة فيه انتصار للمرأة ؟
*قد أكون قاربت في كثير من النصوص علاقة الرجل بالمرأة الحبيبة أو الصديقة أو الزوجة أو الابنة أو الحفيدة ..لكني بالتأكيد لا أنتصر لأي طرف و كقاصة ليست تلك مهمتي وان كنت امرأة، بمعنى أنني عندما كتبت نصوص همس النوايا لم أكون أخطط للكتابة أو الدفاع عن المرأة كما قد تفعل مناضلة في جمعية نسائية أنا كنت ألتقط بعين القاصة جملة من المفارقات والمتناقضات التي تحكم هذه العلاقة دون رصد أو ترصد لأي طرف على اعتبار أن العلاقة بين المرأة والرجل هي علاقة إنسانية تحتمل وتحمل كغيرها من العلاقات الإنسانية التوتر واختلاف وجهات النظر وليس معركة يجب ان يكون فيها منتصر أو منهزم
-إذن ما سبب هذا التوتر وهذه المفارقات ؟
*ربما لان كلا منهما يعاني من الازدواجية فالرجل بقدرما يتوق إلى الحداثة والتحرر على مستواه الشخصي ينتصر للتقاليد والعادات في تقيمه للمرأة ، والمرأة بقد رما ترفض الميز والظلم نجدها أول من يسارع إلى إدانة المرأة وتبرئة الرجل عند حدوث أي اختلال وحين تصبح أما تكرس تربويا نفس الميز وتعيد انتاج نفس المفاهيم أي إدانة المرأة لأنها امرأة وتبرئة الرجل لمجرد انه رجل أقصد ان هناك فصل بين الخطاب والفعل ،وبين الفعل ورد الفعل لدى الطرفين معا
-هل لهذا علاقة بطبيعة الحياة في الريف ؟
*عادة يقال ان الإبداع وليد بيئته مع ذلك أعتقد أن الازدواجية التي تحدثت عنها قصصيا في همس النوايا تحكم علاقة الرجل بالمرأة مبدئيا في كل مكان سواء في مدينة صغيرة أو كبيرة بل حتى في الدول المتقدمة ، الاختلاف يكمن في درجة أو حدة هذه الازدواجية لهذا لاتحمل شخوص المجموعة أسماء يمكن الاستدلال بها على هويتها لكنها شخصيات تشبهنا كثيرا كما انها تتحرك في فضاء مكاني غير مميز بصفة يمكن أن تؤطره جغرافيا ولكنه يمكن أن يشبه المكان الذي نعيش فيه لان المبدع لا يمكن أن يكتب من وحي الفراغ بل من وحي تفاعله مع ما حوله
-هل تعتقدين أن إقدام المرأة المبدعة على رفض واقعها من خلال الإبداع يمكن أن بعرضها للعقاب في ظل تنامي الحركات النسائية وسيادة خطاب الحداثة ؟
*نعم خاصة عندما تحاول المبدعة تعرية هذا الواقع بجرأة وتقترب من المسكوت عنه في علاقة المرأة بجسدها ورغباتها أو في علاقتها بالرجل كموضوع رغبة كما حدث للكاتبة ليلى العثمان عندما تمت محاكمتها عن أعمالها القصصية في الليل تأتي العيون ، والرحيل وللحب صور أو يتخذ شكل التشكيك في القيمة الفنية لهذا العمل الإبداعي وأحيانا إخضاع حياة الكاتبة الشخصية للفحص والتأويل إلى غير ذلك ..ربما هذا ما يفسر ندرة الأقلام النسائية أو توقف بعض الأقلام عن الكتابة بعد الزواج وعدم تحقيق تراكم إبداعي كبير، لذلك لا غرابة أن لدينا فقط 20قاصة معظمهن لديهن إصدار واحد
-لكن بعض الأقلام النسائية تشتغل في كتاباتها على الجسد بجرأة كبيرة إلى أي حد لاتسقط مثل هذه الكتابات في شرك الإثارة المبالغة فيها ؟
*أعتبر أن الاشتغال على الجسد كان ومازال موضوع الإبداع في الأدب الجاهلي كما في الأدب الحديث في النحت كما في القصة وفي الشعر كما في التشكيل ولدى الأقلام النسائية والذكورية على حد سواء إنما هناك أقلام لم تستوعب –أو لاتريد- التجربة الإبداعية وشروطها الفنية ومن ثم تسقط كتاباتها ليس في شرك الإثارة وانما في شرك المباشرة، ويحض الجسد بشكل مجاني لا ينتج أي دلالات إبداعية مغايرة، ان اشتغال المرأة على الجسد أشبه باشتغال الطبيب عليه فهو يفحصه ويعريه ويسأل صاحبه وقد يتحدث الطبيب عن العلاقة الجنسية بكل تفاصيلها والأعضاء التناسلية بكل تفاصيلها مع ذلك لايمكن أن نتصور في ذلك إثارة لان المشهد كله محكوم بغاية وسياق معين لهذا أعتقد أن على المتلقي أن لا يتمثل الخطاب الإبداعي الا في سياقه وضمن شرطه الفني وغايته وليس كتجربة واقعية وحسية من صميم سيرة المبدع أو المبدعة لان سوء تلقي التجربة الإبداعية النسائية بالخصوص في الغالب الأعم هو ما يخلق وهم الإثارة وليس التجربة الإبداعية ذاتها
- في مجموعتك القصصية تتحدثين عن عدم تفريق القارئ بين الساردة والكاتبة وعن الرقابة التي يمارسها الكاتب على نفسه أو تمارس عليه؟
*نعم لاني لاحظت أن توظيف القاصة لضمير المتكلم يخلق لدى القارئ وهم قراءة السيرة الذاتية وهذا يجعل المبدعة تمارس رقابة ذاتية على نفسها وتستحضر رقابة المجتمع كأفراد أو كسلطة أو مؤسسات آمرة، ان قطر الدائرة الذي تتحرك فيه المبدعة ضيق جدا بالنسبة لي ،أتذكر أنني عندما قررت نشر نصوص همس النوايا حذفت الكثير من الكلمات من بعض نصوص المجموعة والذين قرؤوا النصوص كما هي منشورة في الجرائد والمجلات لاشك لاحظوا ذلك، مثلا في قصة من سيرة سيزيف معاصر غيرت بعض الكلمات فتغير سياق النص كليا فبعد ان كان يعكس حالة حرمان جنسي يعانيه شاب معطل اصبح يتحدث عن حرمان عاطفي وطبعا بينهما فرق شاسع مع ذلك اعتقد ان هذا لن يحد من تنامي الإنتاج الإبداعي المكتوب بأقلام أنثوية وسيتعود القارئ المفترض على وجودها مثلما تعود على وجود المرأة المناضلة والعاملة والسياسية …
-ماذا يعني لك النشر عبر الانترنيت؟
*-في الواقع رغم معرفتي المتواضعة في مجال استخدام الانترنيت الا ا ني من المتحمسين كثيرا للنشر عبر الانترنيت وأنشر في بعض المواقع الأدبية لاني أعتبر ان التواصل مع القارئ من خلال الشبكة العنكبوتية إضافة هامة وسهلة وغير محدودة في الزمان والمكان مقارنة باكرا هات النشر الورقي ولكن لا أعتقد رغم مزاياه الكثيرة انه سيعوض بالنسبة لي النشر الورقي ،من ناحية أخرى مازال استعمال الانترنيت في المغرب محدودا،وأتمنى من وزارة الثقافة أن تتحمل مسؤولية إنشاء مواقع للكتاب الكبار للتعريف بإبداعاتهم ونشر أعمالهم الكاملة فيها .و ألاحظ إقبال الأدباء الشباب على النشر والتواصل عبر الانترنيت بشكل متزايد وهذه ظاهرة إيجابية جدا تؤكد قدرة المبدع على التكيف مع التطور التكنولوجي والاستفادة منه .
- في السنوات الأخيرة لاحظنا ظهور عدة جمعيات ونوادي ثقافية موازية لاتحاد الكتاب )رابطة الادباء المغاربة ،نادي القصة القصيرة ،جماعة الكوليزيوم، مجموعة البحث في القصة القصيرة، بيت الشعر ،،،( هل هذا دليل على عجز الاتحاد؟
* وجود إطارات موازية لاتحاد الكتاب يفترض نظريا أن يكون له علاقة أكثر بالرغبة في التخصص وتحقيق الفعالية لأن الاتحاد عام ولا يمكن أن يشتغل بفعالية على كل الأجناس الأدبية مع خلق قنوات للتعاون والتنسيق بينهما على اعتبار انهم أعضاء في الاتحاد ، لكن الحاصل هو ان سياق ظهور هذه الإطارات وطريقة اشتغالها يؤكدان أن وجودها له علاقة أكثر بحالة الاتحاد بدليل ان بعض هذه الجمعيات تشتغل بكفاءة ولها إصدارات وازنة وتشتغل باستقلالية تامة عنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























