مدين للصدفة، ديوان شعر، جمال الموساوي
منشورات أنفو برانت بفاس بدعم من وزارة الثقافة ديوان
لتحميل
الاسم: جمال الموساوي
البلد: المغرب
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب
أظهر كافة المعلومات
| ► | نوفمبر 2011 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||




مدين للصدفة، ديوان شعر، جمال الموساوي
منشورات أنفو برانت بفاس بدعم من وزارة الثقافة ديوان
لتحميل
في إحياء الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر محمود درويش، من لقاء نظمته جمعية أصدقاء الشاعر محمد الطوبي
أحمد زنيبر
بعد تجربته الأولى، التي منحت المشهد الثقافي بالمغرب، ديوانا شعريا جميلا وأصيلا حمل عنوانا رامزا هو: «كتاب الظل»، يواصل الشاعر جمال الموساوي مسيرته الإبداعية ويهدينا، مجموعة شعرية ثانية، سماها «مدين للصدفة». وفي ذلك تأكيد منه أن القول الشعري مجال كتابة قابلة للتجديد والتحيين باستمرار، كلما توافرت لها شروط الإبداع ولم تنفصل عن تجربة الموت والحياة.
تضم المجموعة، المذكورة، ثمانية وعشرين نصا، تفاوتت عناوينها بين اللفظة الواحدة والجملة وشبه الجملة، وتنوعت موضوعاتها ومضامينها بحسب سياقها ومقامها الشعري. وهي مجموعة ترسم لنفسها أفقا مغايرا؛ لكنها جاءت مخلصة لجذورها الشعرية ترسخ بعدها التخييلي الذي تبنته في البداية، دون أن تفرط في عناصر الإمتاع والمؤانسة.
فماذا عن هذه المجموعة ؟ وما القضايا التي تطرق بابها ؟ وبالتالي، ما الجديد الذي تضيفه فنيا إلى رصيد الشاعر ؟..
لا شك أن أول ما يطالعنا، في هذا العمل، هو العنوان الذي اختاره الشاعر جمال الموساوي عتبة لنصوصه «مدين للصدفة». فعن أية صدفة أو مصادفة بالأحرى يتحدث ؟ وما أسباب تلك المدينية ؟ وكيف تولدت أرقامها وبياناتها ؟ يوحي العنوان أعلاه، إذن، باعتراف واضح وصريح من الشاعر بقيمة كل العلامات والإشارات، التي تحيل إلى هاته الصدفة، في علاقتها بالذات تارة، وبالعالم وأشيائه، تارة أخرى. إنه اعتراف يضمن للشاعر، بشكل من الأشكال، تحررا نوعيا وتطهرا فعليا من ثقل الدين المعلن. اعتراف باللحظة التي تكتشف فيها الذات ظلها، بقوة الأشياء.
فهل استطاع الشاعر، في هذا المنجز، رد هذا الدين وتبرئة الذمة بأقساطه الشعرية؟؟ ذلك ما ترصده بعض مقاطع ومواقف المجموعة.
تثير نصوص «مدين للصدفة»، كما في المجموعة السابقة، موضوعات متعددة ذات صلات وشيجة بمختلف التحولات التي تشهدها الذات الإنسانية، في ارتباطها بالعالم وبالآخر من حولها. ومن ثمة، كان السؤال: من أنا؟ من أكون؟ أحد الأسئلة الجوهرية، التي شكلت الإيقاع الخفي والجلي، في آن، لتجربة الشاعر الجديدة. يقول جمال الموساوي: (ص20)
كن كما أشتهي
غامضا كغد ذي قرنين.
واضحا كما لا أحب أن أكون.
لا تكن أغنية لطلل
ولا وترا في عود قديم.
وبين حرفي الكاف والنون (كن) مراوحة بين الوجود والعدم، بين الرتابة والرغبة في التجدد. وما البحث عن الشبيه، الذي لا نجده أو نخاف أن نجده، سوى هروب من أسر المعتاد وانفلات رمزي، عبر اللغة وانزياح المعنى، في اتجاه عوالم معتمة تغرف من حياة لن تكتمل يوما.
وفي الوقت الذي تحضر فيه أنا الذات الشاعرة، تحضر معها الحواس، بأنواعها الحسية والحركية، فتضغط بكامل قوتها، سلبا وإيجابا، كي تفرز لحظة من لحظات الغواية وتطلق العنان قولا باللسان والوجدان، حينها تملأ العين دفء كلمات تبحث عن شبيهها في المرآة. يقول الشاعر: (ص54-55)
لم يركِ أحد
غير أن دفتر الوقت
كان
يصغي
لوشوشة الفجر
كان
كلما أيقظته نسمة
فر
إلى
داخله.
هنا، وفي هذا السياق، سياق البوح والبحث عن المعنى، لم يكن للذات الشاعرة مفر للتعبير عن هواجسها، حصارا وحوارا، والكشف عن ميولاتها، اختيارا واضطرارا، كي تمرر قلقها الوجودي وترسم لنفسها مسارات بلا حدود، حيث يلتقي الواقعي بالمتخيل، ويتداخل الموت والخلود. فالقلق واليأس والعزلة والضياع وما سوى ذلك، محطات شعرية توقف عندها الشاعر، مليا احتجاجا ضد البياض وضد القيود وضد الآخرين، طغاة وغزاة، مما يشي بحزن إنساني عميق يتأرجح بين الحلم واليقظة وبين الاستقرار والارتحال في اتجاه الضوء ونور الصباح. يقول جمال الموساوي: (ص13)
في صباح المدينة المتعب
الحكمة ليست ضالتي.
والموسيقى التي لا أحب
طريق أخرى، بلا أي علامة، نحو
جحيمي… أراكم ورائي أيها الآخرون
تعدون المنافي، وتشنقون الفكرة في رأسي
أراكم تسرقون في الغفلة رؤى من منبذي.
أراكم تنسجون سيرة الليل
من قميص العزلة الذي يجلل متوقد الدهشة
في عينيّ…
في العينيين اللتين تعيدان في العتمة تشكيل
العالم.
ومع ذكر الليل، بظلامه وأوهامه، تزداد وساوس الذات وتكثر مخاوفها؛ غير أن الإصرار والرغبة في التصدي والمقاومة، تجعلها مستعدة، في أية لحظة، لحشد المزيد من الطين وما يكفي من المطر. وما الطبيعة، جامدة ومتحركة، إلا واحدة من العوامل المساعدة للشاعر في ترتيب الأوراق والظفر بالغنيمة. يقول: (ص11-12)
لذلك أحشد من الطين
ما يكفي،
ومن مطر،
وأهمس للريح أن تمنحني
مهلة
كي أرتب حربي
على بوابة الخلود
وأبحث عن نصيبي من الغنيمة
بهذا المعنى، إذن، وبهذا الوجد اللغوي المتناسل المشتعل بين ظل وظلام وبين كتابة ومحو، تنشد النصوص الموساوية ذلك العمق الإنساني، متأملة في الذات من ب
|
عبداللّطيف الوراري
|
|
ربيع الشعوب العربية، ربيع الشعر: فاتحة العام 2011م ليست ككلّ فاتحة. هي فاتحة، بكلّ المعاني وأجلّها، لبدايات عهْدٍ جديدٍ تأخّر لقرون طويلة غاب عنها هواء الحرية، في هذه البقعة العزيزة من العالم. بدأ العام بالرياح المستحقّة التي هبّتْ وبشّرتْ. من يوم إلى يوم، كان يسيل الدم، وكلّما سال الدم أزهر في الساحات، وارتفعت عرائشه سقفاً من الحبّ والحياة لا يُحدّ.
فما حدث من ثورةٍ شعبيّة مشهودة في تونس الخضراء يوم 14 كانون الثاني (يناير)، وفي مصر المحروسة بين 25 من الشهر نفسه و11 شباط (فبراير) 2011 ـ وهما ثورتا كرامة أوّلاً، ولا علاقة للياسمين ولا للـّوتس بذلك ـ، وما حدث بعد ذلك، تحت تأثيرهما المدوّي والصاعق، من حراكٍ شعبّي قاد موجاتٍ عارمة، من العراق إلى المغرب، للمطالبة بالتغيير والإصلاح المنشودين، لا يمكن ان يوصف بأقل من كونه خرقاً للعادة، لا في تاريخ الأمّة العربية وحدها، لا في تاريخ العصر الحديث برُمّته. وهو، بهذا المعنى، حدثٌ مؤسِّسٌ بالمعنيين التاريخي والثقافي ـ السياسي، بتعبير الشاعر أدونيس. وتتجلّى قيمة هذا الحدث / الزلزال في أنّه أطلق إرادات الشعوب العربية لأوّل مرة، وبدّد غيوماً كثيفة من مشاعر الإحباط واليأس لدى فئاتٍ عريضة من المجتمع، بمن فيهم المثقّفون أنفسهم، وبعث الآمال بتأسيس ديمقرااطيّات حقيقية تُدشّن لمرحلة جديدة في الحكامة، والعدالة، والمساواة والحرية. والطريف أنّ قطاعاً مهمّاً من المثقفين الذين يفترض فيهم الهجس بالحدث والمساهمة فيه وقيادته، كان في موقع متأخّر، ووقف عاجزاً لا يكاد عقله يستوعب ما يجري فعلاً، لأيّام متسارعة، ومن دون رتوش تجميلية، من مظاهرات سلمية حاشدة في الساحات وأمام مقرّات الحكومة والجيش والتلفزيون والحزب الحاكم؛ بل من هؤلاء من سقط شرَّ سقطةٍ، وقام بانقلابٍ مُخْزٍ ضد كلماته، في أوّل امتحان حقيقي بعد سنوات من ‘حلية المحاضرة’ في التنوير والعدالة والحرية. في المقابل، بدا خطاب آخرين قادراً على فهم ما يجري، ومحاولاً تأويل مدلولاته وصوره وتمثيلاته داخل المجال الثقافي العربي، فيما هو ينصت لكلمة الأجيال الشابة في عفويّتهم ورغبة تحرُّرهم من عقدة النقص والدونيّة وهوس حفلات التصفيق، وإن فاجأهم السقف العالي لهذه الكلمة: الشعب يريد إسقاط النظام، الذي أنتجه شباب الثورة التونسية ويترجمه الى واقع في 23 يوماً، ثم يتلقّفه شباب ميدان التحرير ويترجمونه بدورهم إلى واقع في 17 يوماً، جنباً إلى جنب مع العديد من الشعارات المحلية والأجنبية التي كانت تتدفّأ بها جدران الساحات، واللوحات الثابتة، وملابس المعتصمين ووجوههم وأجسادهم، وحتى الدبّابات والمجنزرات المشدوهة ممّا يجري. كعادتهم، في حدّة إصغائهم للجمعيّ، كان الشعراء أوّل من يتنبأ للفجر، ويفرح بانبلاجه، ويلتقط أشعته الأولى التي استلهموها في قصائدهم بأشكالها المتنوّعة، مردّدين مع أخيهم ذي العشرين ربيعاً نشيده الخالد: ‘إذا الشعب يوماً أراد الحياة’. فقد فتحت الأبواب والنوافذ، من بيت إلى بيت، مصاريعها ليحرّر الهواء دم المجاز ويُطلقه حُرّاً معافى في ربيعٍ سابقٍ لأوانه، ربيعٍ في عزِّ الشتاء. جدل القصيدة والحدث: شعراء جاؤوا من الثورة، وشعراء استلهموها أو ثمّروها في الغد! من اللا ـ مكان والحياد إلى الالتصاق بالثورة وغليان اللحظة: بنبرة فيها تأسٍّ، يقول الشاعر العراقي حمد محمود الدوخي إنّ ‘الشاعر يقف في اللا ـ مكان إذ أنه يعي أن ما يحدث في ساحتنا العربية أكبر من الثوار ـ الأبطال بالطبع ـ وأكبر من العُقداء والرؤساء والملوك (الأشاوس!)، لأنّه ـ الشاعر ـ يعرف أننا أمة خاملة غير حاضرة في تعداد الأمم المشاركة في صناعة العصر الحديث. يعرف أننا أمة مستهلكة لا مكان لها غير ما بقي من آبارها وأنابيبها التي اكتشفها لها الغرب لكي تبقى حارسة عليها. هذا هو مكاننا’. ولهذا السبب ربّما، اعتذر الشاعر المغربي مبارك وساط عن عدم إرسال أجوبة، لأنّه لم يتمكّن من ذلك من قبل، وقال: ‘لقد اكتشفتُ الآن أنّ الأوان قد فات. متاعب الحياة تحول أحيانا دون الانكباب على ما نحبّ’. وبالمثل، يشكو الشاعر حكمة شافي الأسعد من الفضائيات التي لا تترك له وقتا للتذكّر، أو الشعر، أو البحث فيه، قائلاً: ‘فما يحدث الآن يجعل الشاعر شبه محايدٍ مؤقّتاً، أمام مدّ اللغة الشعبية الشبابية التي تفهم الشاعر أكثر من الشاعر على ما يبدو، ببساطتها وشجاعتها وقولها ما يدلّ من دون زخرفة متعالية يتبعها الشاعر، أعتقد أنه على الشاعر الآن ألاّ يتسرّع في الكتابة، حتى ينتهي الانفعال وردة الفعل، لأن الشعر سيكون الآن مباشراً، مما قد يهدد مشروع الحداثة بالرجوع إلى الوراء كثيراً’. لكن رأياً للشاعر الكردي المقيم في ألمانيا حسين حبش يتجاوز هذه النبرة من التأسي والحيدة، ويُقرّ ‘بإمكان الشاعر أن يقف في قلب الثورة ويشارك في تأجيجها وصنعها كأيّ مواطن تهمه مصلحة شعبه وبلاده. بإمكانه أن ينادي ويصرخ ويندّد ويقف في الصفوف الأمامية ويشرع صدره لكل الاحتمالات كما الآخرين تماماً. بإمكانه أن يتأمل ويتفاعل ويندهش. بإمكانه أن يقف على الناصية ويراقب من بعيد؛ وبإمكانه أن يجلس في بيته أيضاً’. لكن السؤال الأهمّ الذي يشغل بال صاحب ‘أعلى من شهوة وألذ من خاصرة غزال’ و’ ضلالات إلى سليم بركات’، هو: ‘هل سيكون بإمكان الشعر أن يأخذ زمام المبادرة ويتفاعل مع الحدث مباشرة؟ وهل سيكون بكامل الجمالية التي يوصف بها عادة؟’، ويجيب مستطرداً: ‘باعتقادي أن الشعر يعجز عن ذلك، وهو ليس مطالباً بذلك أصلاً. وإذا ما حدث واستجاب، فستكون استجابته واهنة وباهتة في أغلب الأحيان ولن ترقى إلى مستوى الثورة وعظمتها، لأن طبيعة الشعر كما نعلم تخالف كل الوقائع والتوقعات والمفاجآت الموجودة والملموسة على أرض الواقع. هو مفاجأة نفسه وذاته، وهو على الأغلب يحتاج إلى اختمار وإلى فترة زمنية كافية ليقول كلمته وجمالياته بحرية مطلقة، ووفق مزاجه الغريب والمتّقد، وحينها قد يأتي أو لا يأتي، قد يقول كلمته أو لا يقولها، ولا عتب ولا حرج عليه مهما كان’. لكن الشاعر التونسي صلاح بن عياد قال إنّ الشاعر قال كلمته، حتى وإن لم يكن له من منفذ سوى أن يلوذ بتفاصيل القليل من الحياة كهواء في ظلّ اختناق يفرضه النظام السياسيّ المتعنّت، وفي غياب حريّة تسمح له بخوض القضايا الكبرى، إلا الاعتناء بتلك التفاصيل كان ذا د |
بعد "كتاب الظل" و "مدين للصدفة" فضل الشاعر والكاتب المغربي جمال الموساوي أن يغرد في "حدائق لم يشعلها أحد"، الصادر مؤخرا عن منشورات بيت الشعر في المغرب.
تستهل "سيرة الفراغ" القصائد التي تؤثث هذا العمل الجديد ، الواقع في 97 صفحة من القطع المتوسط، والتي نظمها الشاعر في فترات متفرقة بين سنتي 1994 و2000، فينساب الكلم الجميل ينتقل بالقارئ بين "لا أفق لي، أنا أفق المهب" وبين "مديح الكتابة" و"مديح الهواء" و"مديح القمر" ثم "مديح الكآبة".
يعزف الموساوي، أيضا، في ديوانه الجديد، الذي صمم غلافه الفنان خالد نظيف، على وثر "أجراس الروح" و"الغريب" و"حلم" وشجن بعيد" و"خطى ورقاء"، ليخاطب بعدها "الصديق" و"القمر" و"اليد الغائبة"، قبل أن يتساءل "ليت الفتى حجر"، ثم الانفتاح على "شرائع أخرى" و"وردة في الغروب"، ليختتم ديوانه ب"الأسرار" التي لن يبوح بها أحد…ليبدأ "حلم من الصفر ثانية".
"حدائق لم يشعلها أحد" تأتي بعد مجموعتين شعريتين للمساوي المنحدر من الحسيمة حيث ازداد سنة 1970، الأولى عن وزارة الثقافة بعنوان "كتاب الظل" (2001) والثانية عن (أنفو برانت) بفاس وحملت عنوان "مدين للصدفة" (2007)، وتوجت الأولى بجائزة بيت الشعر للديوان الأول دورة2001، فيما قصيدته "مديح الشمس" بجائزة كلية الآداب بالرباط دورة 1994.
(و.م.ع)
من مجموعة "حدائق لم يشعلها أحد"
جمال الموساوي
على امتداد الأسابيع الماضية، بقيت أطرح عددا من الأسئلة انطلاقا من التحولات العميقة التي هبت على المنطقة التي ننتمي إليها. هذه التحولات لا يمكن أن يخطئها أي شخص ذي قلب نابض وتواق للحياة الكريمة، وبالتالي لا يمكن الوقوف إزاءها موقف المتفرج الذي ينتظر اتجاه الرياح ليركب بساط الانتهازية وينطلق لجني ثمار لم يتعب في غرس وسقي أشجارها.
لقد فرضت هذه الاهتزازات الكبيرة أسئلة عميقة، تجاوزت كل التوقعات، وعصفت بكل المواضعات والتوافقات على اختلاف أنواعها، السياسية منها والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأكثر من ذلك أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية، كانت قد ارتدت منذ سنوات إلى الوراء، واكتسبت رداء نوستالجيا.
أين ينبغي أن يتموقع المثقف اليوم؟ عندما انطلقت ثورة تونس، وبعدها ثورة مصر، وجدتا حولهما لفيفا من المثقفين والإعلاميين والفنانين والسياسيين، ساهموا بالموازاة مع الصيحات التي أنتجتها حناجر الشباب في الشوارع، في إنتاج خطاب مؤيد ومحرض،وتبنوا مختلف المطالب التي أثثت اللافتات والشعارات، وما من شك في أن هذه المساندة ساهمت بقسط كبير في الانتصار الذي تحقق هنا وهناك، بالرغم من الخذلان الذي أبان عليه البعض لحركة الشباب في البلدين.
وعندما امتد الحريق إلى أماكن أخرى مستعينا بما تتيحه تكنولوجيا المعلومات، اقتربت النيران أكثر من أبواب المثقفين، وبدأت في طرقها، فإما الانخراط في الدينامية الجديدة المتجهة نحو المستقبل وإما ركوب الأفكار الانتهازية وانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة. وقد كان من بين الأسئلة التي راودتني، وراودت آخرين بكل تأكيد، السؤال حول ما إذا كان لدينا في المغرب مثقفون وفنانون قادرون على لعب دور الحاضن، والمؤطر فكريا، لحركة بدأت ملامحها في الاتضاح.
لماذا أتحدث عن المثقفين والفنانين، وأضرب صفحا عن السياسيين؟ لأسباب ذاتية محضة قائمة على متابعة المشهد السياسي ومحاولة فهمه، وهو مشهد لا نكاد نختلف بشأنه، كونه تؤثثه تشكيلات فقدت القدرة على التأثير في الشارع، لأنها انفصلت عنه انفصالا بائنا وباتّا، وبالتالي لم تعد تعبر أو تصدر عنه، مما جعلها منذ زمن هدفا لكل السخط الذي يعتمل في المجتمع، ولا يعول عليها أحد لإحداث أي نوع من التغيير. لقد تجاوزها التاريخ وتجاوزتها الأحداث. إن تردي السياسيين هو الذي يجعل المثقفين في قلب العاصفة، ومؤهلين، إذا توفرت لديهم الإرادة والشجاعة، للسير بالمجرى الهادر نحو مصبه الطبيعي بتوفير خلفية فكرية للمطالب العفوية المنطلقة من شعور عارم بالقهر. لكن هل كان هذا المثقف في الموعد، إذا تحدثنا عن المغرب، كما كان عليه الشأن في تونس ومصر، أو في البحرين مع بعض التأخر؟ هذا السؤال، للأسف يدعونا لإعادة النظر في مجموعة من الأشياء المرتبطة بالنخبة المثقفة.
لقد تعودنا في ما مضى، في الزمن المحفوف بالحنين، على أن يكون صوت المثقف عاليا، في كل صرخة يطلقها المجتمع، بالرغم من آلة القمع الشرسة التي اشتغلت في ذلك الإبان وأكلت من أجساد وأرواح الكثير من الناس. لقد كان المثقف جوعان عطشان للحرية، ويصنع ثورات على الورق ويعمل في الوقت ذاته على ترجمة النظرية إلى فعل يستجيب لطبيعة المرحلة. أما الآن، فهذا المثقف مطالب فقط بمواقف مشرفة في أكثر اللحظات أهمية في التاريخ الحديث للمنطقة بشكل عام، وللمغرب بشكل خاص.
إن الذين خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن مطالب تشكل أسس المستقبل، إنما فعلوا ذلك لأن إحساسا عارما بالانتماء إلى هذا المستقبل قد انتابهم وهزهم. وما أحسب المثقف إلا إنسانا يعيش من أجل تصحيح الحاضر وبناء المستقبل، وهو ما يفرض عليه أن يكون فاعلا أساسيا، لا منتظرا ومترقبا، أو منشغلا بأشياء جزئية للتغطية على عجزه أو جبنه. فهل كان في الموعد؟
ربما لم يسبق في تاريخ الثقافة المغربية، أن تأخرت مؤسسة مثل اتحاد كتاب المغرب في اتخاذ موقف من قضية مصيرية مثل البحث عن الحرية والمطالبة بالديمقراطية والكرامة، والحق في المواطنة الكاملة التي تعكس مساواة الناس في كل شيء. إن هذا التأخر ليس سببه إكراهات موضوعية، من قبيل ما يعيشه الاتحاد من شتات ومن انفضاض الكثير من أعضائه من حوله، بل لأسباب أخرى تهم الذين انتهوا إلى الاستيلاء على زمام الأمور في مكتبه التنفيذي على طريقة الانقلابات العسكرية، بعد مؤتمر صاخب. الدليل على أن الأسباب ليس ما أشرت إليه هو أن نفس هؤلاء الأشخاص نظموا أنشطة، بالرغم من بؤسها، وأصدروا قرارات "مهمة" منها مقاطعة المعرض الدولي للكتاب والنشر، وتنظيم وقفة احتجاجية أمام وزارة الثقافة للمطالبة برأس الوزير.
عندما هبت العواصف التي لم تبق ولم تذر، على تونس ومصر، كان أقل الأشياء الممكنة إصدار بيان تضامني مع حق الناس هناك في التظاهر وفي المطالبة بالكرامة الإنسانية التي تليق بشعب يعيش
* اعداد : موسى حوامدة
شاعر وكاتب مغربي ولد في مدينة الحسيمة عام 1970 ، حاصل على إجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة محمد الخامس بالرباط عام 1995 ، عضو المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب ، عضو بيت الشعر في المغرب ، عضو هيئة تحكيم جائزة المغرب للكتاب دورة 2005 ، أصدر مجموعة شعرية عن وزارة الثقافة بالمغرب بعنوان “كتاب الظل” ـ 2001 ، وأخرى عن أنفو برانت في فاس بالمغرب بعنوان “مدين للصدفة” ـ 2007 ، نال جائزة بيت الشعر للديوان الأول عن “كتاب الظل” ، دورة 2001 ، وجائزة أفضل قصيدة عن “مديح الشمس” ، كلية الآداب بالرباط ، دورة ,1994
ماذا تقرأ حالياً؟
- أقرأ كتابا يتناول عددا من القضايا في مغرب السنوات العشر الأخيرة.
كتاب ندمت على شرائه أو قراءته.
- لم يحصل. إذا لم يكن الكتاب جيدا ، فعلى الأقل يتيح لك الاطلاع على شيء ما بغض النظر عن مسألة الجودة والرداء ، وقد يقدم لك حسنة تتمثل ، مثلا ، في حمايتك من التلفزيون لبعض الوقت.
هل وجدت شيئا يروق لك في السينما أو المسرح؟ أم شاهدت شيئا لم يعجبك؟
- السينما والمسرح ممتعان ، يمنحان الإنسان فرصا للهروب من ضغوط الحياة اليومية ، وقد يساعدان الكاتب على التقاط فكرة ، أو استلهام بداية لقصيدة أو قصة. مشاهدتي للمسرح أقل من مشاهدتي للسينما. من الأفلام التي راقتني فيلم “الرقص مع الذئاب” و”Cast Away”.
ما الذي يشد انتباهّك في المحطات الفضائية؟
- ما يشد انتباهي ثلاثة أمور لا غير: كثرة الزعيق في برامج الحوار ، قلة البرامج والحوارات الثقافية الهادفة فعلا ، كثرة قنوات الفيديوكليب.
ماذا تكتب هذه الأيام؟
- أبحث عن فكرة لقصيدة مقبلة. قبل أيام كتبت أخر نص شعري حتى الآن ، كما كتبت شهادة حول تجربتي المتواضعة ، بطلب من بيت الشعر في المغرب. ألقيتها في الملتقى السنوي للبيت “أمسي
(شهادة في الكتابة)
جمال الموساوي
أكتب منذ ثلاث وعشرين سنة. ليست شيئا كثيرا في عمر الكون، لكنها مع ذلك أكثر من نصف عمري الخاص. وأنا هنا اليوم لأشهد أن النار التي استعرتها من بروميثيوس، كما يقول الشعراء عادة، قد أحرقت أجزاء عزيزة من أصابعي. وصْفَتي الأولى التي منها صنعت البداية لم تكن أكثر من مزيج من القمع العاطفي لبيئة الميلاد (على الأقل كان هذا تصوري للأمور) وبعض الإلمام بالأبجدية ثم تغيير البيئة المذكورة، وأخيرا مصادفة واحد من الشياطين التي تحدثت عنها كتب الشعر العربية. وصْفة وَفَتْ بالغرض، وفتحت لي الأفق على أوهام المراهقة، حيث كنت أراني ذا شأن من الشؤون، والناس تشير إلي بأصبع التقدير، دون أن أتصور، بأي صيغة من الصيغ، أنه سيشار إلي بأصبع آخر غير الذي ذكرت. كان هذا أول الأوهام الجميلة التي راودت رأسي الصغيرة آنذاك، وهو الوهم الذي تضخم أكثر فأكثر مع نشر أول خاطرة في 21 أكتوبر من 1987.
وإذ أنظر إلى الوراء بهذا الشكل أستحضر ذلك الشاعر الصيني الذي كتب:
"شابا، في بحر الحياة،
كنت أرفع رأسي أحيانا
وأنظر من بعيد إلى سنتي الستين
فتبدو لي كما لو أنها مرفأ أجنبي.
في خضم العديد من العواصف
وقد وصلت إلى المرفأ، أحيانا أدير نظرتي
نحو شبابي، كما لو أنني أنظر
إلى وطني وهو يختفي في الدخان".
في ذلك اليوم أتذكر تماما، كما لو أنني كنت حاضرا(!) أن الأرض تحملتني على مضض، لأنها ربما لم تجد بدا من ذلك. كانت تعلم أن الحلم وقود الحياة، وأن الحلم هو، كما قيل، "الطريق الملكي نحو اللاوعي". وأعتقد أن في هذا الكلام الكثير من الصحة في ما يتعلق بحالتي. وهنا أشير، مع ما يلزم من الاختصار، إلى أن أكثر ما سكنني وأنا "أنمو وأكبر" هو أن أكون حارس مرمى في فريق لكرة القدم. كان هذا الحلم، بشكل من الأشكال وما يقتضيه التعسف، مشرعا على الشهرة والانتشار وعلى الإشارات المعلومة للأصابع الطيبة. لهذا كان لاوعيي يقظا وحاضرا عندما بدأت حياة في المجاز، فما صرت أصبو إليه الآن، أي وهمي الجديد، ليس سوى وهمي القديم منقحا ومعدلا !
ومهما يكن، فقد أدركت أنني قادر على ابتكار الفرح، وأن لدي شيئا إضافيا لا يتوفر لدى الجميع (لي عشبة زائدة بتعبير محمود درويش)، هو القدرة على تحويل المشاعر إلى حروف. إذا كانت المشاعر تتميز بكونها آنية ولحظية، بالرغم من أن هذه اللحظة قد تطول، فالكتابة تمنحها الاستمرار إلى ما لا يُحَدّ. إنها تقبض على اللحظة وتمكنها من العدوى والانتشار. أدركت أنني أشبه فوتوغرافيّاً، بيد أنه يصور ما يراه، وأصور ما خفي.
بهذا الشكل تبدو لي الكتابة فعل إشراك للآخرين، وربما التعبير بدلا منهم عن خصوصياتهم التي يحدث أن تلتقي وتتقاطع مع خصوصياتي. لكن هذا الإشراك لا ينجح دائما. ففي عالم، أو على الأقل في عالمنا الصغير، في مدينتنا وربما في مغربنا، حيث كان التقويم الهيكلي يأتي على الأخضر واليابس، على جودة التعليم وعلى المكتسبات الاجتماعية وجدت من يقول لي "أنت خيالي" ويكاد يشير إلي بالأصبع المعلوم، غير أصبع التقدير. "خيالي" ليس لأنه لا يراني وإنما لأنني أرى ما لم يكن بإمكانه أن يراه.
هكذا بدأ الفرح (=القصائد ونشرها) يتراكم، تماما كما يتراكم الرأسمال، لكن الفرق بين هذا وذاك يكمن في كون الأول يتراكم ولا يتقلص، وفي أسوأ الأحوال يتجمد عند الرصيد الذي يكون قد بلغه ولا يفقده صاحبه أبدا، بينما الثاني وإن كان يخضع للمد والجزر ذاتيهما إلا أن صاحبه قد يأتي عليه صباح لا يجد فيه منه شيئا.
لقد انطلق الفرح في البداية بريئا وفطريا. الجمجمة صفحة بيضاء وليس ثمة ما يشوش على صفائها، لذلك كانت الكتابة عفوية، أشبه ما تكون بكلام حميمي يحكيه مراهق لنفسه، أو لحبيبة متحققة أو متوهمة، وفي ظنه أنه بلغ الجبال طولا، أو خرق السماء.
لم تأت الأسئلة إلا لاحقا. متى؟ عندما رأيت أن الطريق تختفي من ورائي، شيئا فشيئا، مع كل خطوة أخطوها للأمام. عندما أدركت إذن أن الشعر طريقي الأخرى التي ستنقذني من التشابه ومن أن أكون واحدا من آخرين بلا ملامح محددة أو خاصة. بشكل أكثر وضوحا، جاءت الأسئلة بينما كنت أستجمع إيماني بقدري الذي بات واقعا. فما الذي دار في الجمجمة؟ لاشيء غير عادي: هل الشعر تعبير عن موقف أم عن حالة. هل يجب أن أكتب إرضاء لقارئ ما أم لنرجسية غريزية خاصة. هل أكتب عن فلسطين أم أواصل كلامي الحميمي لنفسي أو لحبيبة متحققة أو متوهمة؟
وإذا كانت الأسئلة هي ما يمنح الحياة عموما شرعية الاستمرار الامتداد من دون أن تتآكل في الرتابة، فإنها مكنتني شخصيا من جعل الكتابة تستمر في داخلي بالرغم من لحظات الجفاء أحيانا. لقد كانت الكتابة كالنهر يجري بلا توقف قبل أن تصبح كالعين ماؤها نادر وموزع بغير عدل في الزمن والجغرافيا. يبدو أن الذات الإنسانية تشهد هي الأخرى تغيراتها وتحولاتها المناخية والطقوسية. والانتقال من مرحلة إلى أخرى إنما هو انتقال بين الفصول، وربما لهذا السبب وحده تأتي عليّ الأصياف وقد نضب المعين تماما فأنتظر قدوم الشتاء أو الخريف على الأقل. وإنني أجدها فرصة طيبة لأعلن أنني لا أحب الصيف إلا مجاملة لصغاري.
إن ثلاثا وعشرين سنة ليست شيئا في عمر الكون، لكن الذي حدث في ما يتعلق بعمري الخاص، أن الجمجمة، في لحظة من التكوين، بدأت تتشكل من خليط من العناصر، وتتخلى شيئا فشيئا عن عفويتها فتدس لي بين الفينة والأخرى في القصيدة بعض ال
كمن يخْرجُ من غابة،
تسبق الأسْئِلة خطوهُ،
كمنِ يعودُ إلى نفسه من أبديةٍ معتمةٍ،
تحشر من جديدٍ أنف الوجود في ضباب الأبجديةِ.
من أين هذا الضوء المنتشر في
في أرجاء اللحظةِ؟
لم تعد شريكا في اللعبة يا صاحبي.
الغابةُ بعيدةٌ. الكوابيسُ الضارية باتت في
خلفية الصورة، والحياةُ.
الحياةُ أمامك نهرٌ
ليس من العذوبة بحيث لا تئنُّ
لكنهُ عذبٌ.
عذبٌ
كما لم يكن من قبلُ.
الألم شفيفٌ بما يكفي
كي يصغي القلبُ
لنشيده الأزلي. لم تعدِ
يا صاحبي في الطريق الغامضة نفسها. الطريق التي
تقودك إلى مشانق المعنى
أو إلى أفق غير واضح المعالم
أو إلى ضفة من الأحلام المؤجلة









